الصفحة 35 من 40

يقول كثير من الناس: هذا وقت العلم والمعارف والرقي , ومقصودهم بهذا: الإعراض عن الماضي , وعن علوم الدين والتزهيد فيها ; وقد صدقوا من جهة , وكذبوا من جهات أخر: قد صدقوا أنه وقت ترقت فيه علوم الصناعات والمخترعات , وما يرجع إلى الماديات والطبيعيات , وقد كذبوا أفظع الكذب حيث حصروا العلم بهذا النوع , ولم يعلموا أن العلم الحقيقي النافع هو العلم بما جاء به الكتاب والسنة , الكفيل بكل خير ديني ودنيوي وأخروي. والعلم النافع من علوم الصناعات والمخترعات داخل في ضمن هذا , بل العلم الديني هو الذي يصير العلوم الطبيعية والصناعية نافعة نفعا صحيحا , وهو الذي يوجهها إلى نفع النوع الإنساني ويمنعها من التهور المهلك. ولهذا نقول: وقد كذبوا أيضا من جهة أن هذه العلوم التي افتخروا بها لم يوجهوها التوجيه النافع , بل استعملوها فيما يضر الخلق في الإهلاك والإفناء والتدمير ; فهي من أعظم النعم ولكنها باستعمالهم إياها كانت من أكبر النكبات والنقم وهذا من المعلوم الذي لا ريب فيه أن الشيء الذي لا يتولى الدين الصحيح توجيهه فهو منعكس , ضرره أكبر من نفعه. وقد صدقوا أنه زمان ترقي الماديات الجافة , وقد كذبوا في إطلاقهم الترقي فيظن الظان أنه ترق في كل شيء , وهو إنما هو ترق في الصناعات والمخترعات , لا في الأخلاق الفاضلة والديانات , فلا ينفع الترقي في الماديات إذا هبطت الأخلاق التي عليها المدار في كل شيء , وهي التي تصلح الأشياء ولا تصلح الأمور بدونها , كما هو مشاهد محسوس , فأي ترق صير أهله بمنزلة السباع الضارية دأبها الظلم والفتك والاستعمار للأمم الضعيفة وسلبها حقوقها؟ فالترقي الصحيح الذي هو من آثار الدين من آثاره العدل والرحمة والوفاء بالحقوق والحث على كل خير والتحذير من كل شر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت