الصفحة 36 من 40

هذا هو الترقي الذي لم يشموا له رائحة , ولا خطر بقلوبهم ; وكيف يخطر بقلوبهم وقلوبهم ملأى بالهلع والجشع والزهو والكبر والغرور , ومن كل خلق رذيل؟ وقد كذبوا أيضا في زعمهم أن العلوم العصرية والفنون الاختراعية النافعة هم الذين ابتدءوها , وأن الشريعة الإسلامية لم تهد إليها ولم ترشد إلى أصولها. . وهذا بهت عظيم , ومكابرة يعرفها من له أدنى نظر في الدين الإسلامي. وكيف أصل للعباد أصولا عظيمة نافعة بها صلاح دنياهم كما أصل لهم أصولا نافعة فيها صلاح دينهم , وقد ذكرنا بعض النصوص من الكتاب والسنة الدالة على هذا الأصل كما سبقت الإشارة إليه. نعم , لو قالوا: إن الناس في هذا الوقت انتفعوا بهذه الأصول والتعاليم الدينية في ترقية الصناعات وابتكار المخترعات ومعرفة طرق الاقتصاديات , وما أشبه ذلك , ولكنهم رقوها ترقية مبتورة مقطوعة الصلة بالله , وبدين الله , فلهذا نفعت من جهة وضرت من جهات. نفعت بما اشتملت عليه من منافع العباد الدنيوية , ونفعت من استعان بها على الدين والخير. وضرت من جهة: أنها سببت لأهلها الوحشية والهمجية الذي من آثاره الإهلاك والتدمير , والشرور التي لم يوجد لها نظير , فيما سبقت وضرت أيضا من جهة ما أحدثت في نفوس أهلها من الزهو والغرور والكبرياء , واستعباد الضعفاء وظلمهم , وهضم الحقوق والشرور المتنوعة , فلو أن هذه المخترعات تولى الدين توجيهها لحصل فيها من المنافع أضعاف أضعاف ما شوهد , ولاندفعت مضارها وشرورها , ولكانت مبنية على الخير والصلاح , وآثارها الخير والإصلاح للدين والدنيا , ولكن لله في خلقه شئون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت