أعظم آفات العلم وقواطعه الانخداع بالوقوف مع المخلوقات دون خالقها , وبالآثار عن مؤثرها , وبالأسباب عن مسببها , وبالوسائل عن مقاصدها , وهذا النوع نقصه كثير وضرره كبير ; فإن كثيرا من الملحدين والمغترين بهم يمهرون في العلوم الطبيعية , ولكنهم يقفون معها ويعمون عن ارتباطها بخالقها ومسببها , والذي أودع فيها من العجائب والأسرار ما أودع , فيرون أنفسهم قد عرفوا من عجائب علوم الطبيعة ما لم يعرفه غيرهم , ومن الأسرار التي أودعها الله في الطبائع ما زادوا به على غيرهم فيأخذهم الزهو والغرور , ويقفون معها ويرونها هي الحاصل وهي المقصود , وهي الغاية , فيحصل الانحراف العظيم والنقص في العلم والعقل. فلو أنهم عرفوا وأثبتوا الموجد الحقيقي والمدبر للأمور كلها وربطوا الأسباب بقضائه وقدره , وعلموا أن الأسباب محل حكمته , فإنه تعالى حكيم , يضع الأمور مواضعها , ويجعل الأمور الدقيقة والجليلة منتظمة بنظام عجيب , وارتباط وثيق , وجعل لكل مطلوب ومقصود سببا ووسيلة , وطريقا يوصل إليه. ولذلك نتيجة وثمرة بحسب قوة الأسباب وضعفها , وبحسب قوة العامل بها وضعفه. ثم ربطوا هذه الأسباب والوسائل والنتائج بقدر الله وقضائه. . لو أنهم فعلوا ذلك في عملهم لتم علمهم وحصل لهم من اليقين ما لا يحصل لمن لم يصل إلى ما وصلوا إليه.