الصفحة 38 من 40

ولكنهم فرحوا بما عرفوه من الوسائل التي يعرفون نتائجها الدنيوية ملموسة وتكبروا بها فانطبق عليهم قوله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [سورة غافر: الآية 83] وقوله تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [سورة الأحقاف: الآية 26] وهذا أعظم آفات العجب والكبر على الإطلاق , وأعظم الطرق التي اغتر بها وانخدع كثير من الخلق , فنسأل الله أن يرزقنا العلم الصحيح , المؤيد بالعقل والنقل والفطرة , وهو العلم النافع الذي يعرفه العبد من جميع نواحيه , وهو العلم الذي يربط الفروع بأصولها , ويرد الأسباب وآثارها ونتائجها إلى مسببها , وإلى الذي جعلها كذلك وهو العلم الذي لا ينقطع صاحبه بالمخلوق عن خالقه وبالآثار عن مؤثرها وبالحكم والأسرار والنظامات العجيبة عن محكمها ومنظمها ومبدعها , وهذا العلم هو الذي يثمر اليقين وتحصل به الطمأنينة وتتم به السعادة والفلاح , ويثمر الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة المصلحة للدين والدنيا. أما علوم المنحرفين , فإنها - كما ذكرنا - مقطوعة مبتورة , جافة , نهاية نفعها كنفع الصناعات المادية , كما هو مشاهد محسوس , لا تثمر إيمانا ولا أمانة , ولا رحمة ولا أخلاقا جميلة , بل ثمراتها ضد ذلك ; يؤسف غاية الأسف لكل ذي عقل كبير وذكاء مفرط أن تكون هي غايته وثمراته فإن العقل الصحيح فهم الأشياء والإحاطة بها من جميع نواحيها , ثم العمل بالأمور النافعة واستغلال الخيرات والمواهب التي وهبها العبد , والجمع بين مصالح الدارين ومنافع البدن والروح , والنظر الصحيح للمبادئ والعواقب , وربط الأمور المتصلة بعضها ببعض , فكل من لم يتصف بهذه الأوصاف نقص من عقله بحسب ذلك فكيف بدينه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت