الصفحة 14 من 25

وينبغي تعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالإعادة والامتحان والحث على المذاكرة والمراجعة وتكرار الدرس، فإن التعلم بمنزلة الغرس للأشجار، والدرس والمذاكرة والإعادة بمنزلة السقي لها وإزالة الأشياء المضرة لتنمو وتزداد على الدوام.

وكما أن على المتعلم توقير معلمه والأدب معه، فكذلك أقرانه في التعلم معه عليه توقيرهم واحترامهم. فالصحبة في طلب العلم تجمع حقوقًا كثيرة؛ لأن لهم حق الأخوّة والصحبة، وحق الاحترام لما قاموا به من الاشتغال بما ينفعهم وينفع الناس وهو الانتماء إلى معلمهم، وأنهم بمنزلة أولاده، وحق لنفع بعضهم بعضًا.

ولهذا ينبغي أن لا يدع ممكنًا يقدر عليه من نفع من يقدر على نفعه منهم من تعليمه ما يجهل، والبحث معه للتعاون على الخير وإرشاده لما فيه نفعه، وينبغي أن يكون اجتماعهم في كل وقت غنيمة يتعلم فيه القاصر ممن هو أعلا منه، ويعلم العارف غير العارف، ويتطارحون المسائل النافعة، وليجعلوا همهم مقصورًا على ما هم بصدده، وليحذروا من الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم، فإنه إثم حاضر.

والمعصية من أهل العلم أعظم من غيرهم، لأن الحجة عليهم أقوم، ولأن غيرهم يقتدي بهم، ومن كان طبعه الشر من غيرهم جعلهم حجة له، ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره.

واعلم أن القناعة باليسير من الرزق والاقتصاد في أمر المعيشة مطلوب من كل أحد، لا سيما المشتغلون بالعلم، فإنه كالمتعين عليهم، لأن العلم وظيفة العمر كله أو معظمه، فمتى زاحمته الأشغال الدنيوية والضروريات حصل النقص بسبب ذلك، والاقتصاد والقناعة من أكبر العوامل لخصر [1] الأشغال الدنيوية وإقبال المتعلم على ما هو بصدده.

(1) - كذا في المخطوطة ولو قال لاختصار لكان أوضح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت