ومن آداب العالم والمتعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان، حتى لو تعلم الإنسان مسألة وبثها كان ذلك من بركة العلم، ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك، فمن شح بعلمه مات علمه بموته، وربما نسيه وهو حي، كما أن من بث علمه كان له حياة ثانية وحفظًا لما علمه وجازاه الله بحسب عمله.
ومن أهم ما يتعين السعي في جمع كلمتهم وتأليف القلوب على ذلك، وحسم أسباب الشر والعداوة والبغضاء بينهم، وأن يجعلوا هذا الأمر نصب أعينهم وغاية يسعون إليها بكل طريق، لأن المطلوب واحد والقصد واحد، والمصلحة مشتركة، فيحققون هذا الأمر بمحبة كل من كان من أهل العلم ومن له قدم فيه أو اشتغال أو نفع، ولا يدعون الأغراض الفاسدة تملكهم وتمنعهم من هذا المطلوب الجليل، فيحب بعضهم بعضًا، ويذب بعضهم عن بعض، ويبذلون النصيحة لمن رأوه منحرفًا عن الآخر، ويبرهنون على أن الأمور الجزئية التي تدعو إلى ضد المحبة والائتلاف لا تقدم على الأصول الكلية التي فيها جمع الكلمة.
ولا يدعون أعداء العلم من العوام وغيرهم يتمكنون من إفساد ذات بينهم وتفريق كلمتهم، فإن في تحقيق هذا المقصد الجليل والقيام به من المنافع والمصالح ما لا يحصى، ولو لم يكن فيه إلا أن هذا هو الدين الذي حث الشارع عليه بكل طريق.
وأعظم من يلزمه القيام به أهله، ولأنه من أعظم الأدلة على النصح والإخلاص الذين هما قطب الدين وروحه، وإن بهذا الوصف يتصف العبد بأنه من أهل العلم الذين هم أهله الذين ورد في الكتاب والسنة من مدحهم والثناء عليهم ما لا يتسع هذا الموضع لذكره.