وأما الرؤيا الصحيحة فهي إلهامات يلهمها الله للروح عند تجردها عن البدن وقت النوم , أو أمثال مضروبة يضربها الملك للإنسان ليفهم بها ما يناسبها. وقد يرى الشيء على حقيقته ويكون تعبيره هو ما رآه في منامه , فيوسف صلى الله عليه وسلم أعطاه الله من العلم ما يميز به بين المرائي الصحيحة والباطلة , والحق والباطل منها , وهذه القصة فيها الدلالة على تعبير الرؤيا من وجوه: أحدها رؤيا يوسف التي قصها على أبيه يعقوب صلى الله عليه وسلم: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} [سورة يوسف: الآية 4] ففسرها يعقوب صلى الله عليه وسلم بغاياتها وما تؤول إليه , وبوسائلها التي تتقدم عليها , ففسر الشمس والقمر بأبي يوسف وأمه , والكواكب الأحد عشر بإخوته , وأن الحال سيكون مآلها أن الجميع ليسجدون ليوسف ويخضعون له. ولهذا لما حصل الاجتماع ودخل أبوه وأمه وإخوته مصر , ورفع أبويه على العرش خر الجميع له سجدا وقال يوسف متذكرا ذلك التعبير والتفسير: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} [سورة يوسف: الآية 100] وهذا أمر عظيم تصل بيوسف الحال إلى أن يكون معظما تعظيما بليغا عند أبويه وإخوته , وكذلك عند الناس. وهذه الغاية تستدعي وسائل ومقدمات لا تحصل إلا بها , وهو العلم الكثير العظيم والعمل الصالح والإخلاص والاجتباء من الله والقيام بحق الله وحقوق الخلق. فلهذا قال في ذكر السبب الموصل لهذه الغاية الجليلة: {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم} [سورة يوسف: الآية 6] يعني لا بد أن يتم الله عليك نعمته بتعليم العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاجتباء من الله , وحصول الأخلاق الجميلة والمقامات الجليلة , فتبشره بحصول هذه الأمور , ثم بالوصول إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.