و مما أمر الله به: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، الذي من فوائد هذا: انشراح الصدر ونوره، وزوال همومه وغمومه، ونشاط البدن وخفته، ونور الوجه، وسعة الرزق، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفي الزكاة والصدقة، ووجوه الإحسان: زكاة النفس وتطهيرها، وزوال الوسخ والدرن عنها، ودفع حاجة أخيه المسلم، وزيادة بركة ماله ونماؤه.
مع ما في هذه الأعمال من عظيم ثواب الله الذي لا يمكن وصفه، ومن حصول رضاه الذي هو أكبر من كل شيء، وزوال سخطه.
و كذلك شرع لعباده الاجتماع للعبادة في مواضع، كالصلوات الخمس، والجمعة، والأعياد، ومشاعر الحج، والاجتماع لذكر الله، والعلم النافع، لما في الاجتماع من الاختلاط الذي يوجب: التوادد والتواصل، وزوال التقاطع والأحقاد بينهم، ومراغمة الشيطان الذي يكره اجتماعهم على الخير، وحصول التنافس في الخيرات، واقتداء بعضهم ببعض، وتعليم بعضهم بعضا، وتعلم بعضهم من بعض، وكذلك حصول الأجر الكثير الذي لا يحصل بالانفراد، إلى غير ذلك من الحكم.
و أباح سبحانه، البيع والعقود المباحة، لما فيه من العدل، ولحاجة الناس إليها. و أباح الطيبات من المأكل والمشارب، والملابس، والمناكح، لما فيها من الخبث والمضرة، عاجلا وآجلا، فتحريمها: حماية لعباده، وصيانة لهم، لا بخلا عليهم، بل رحمة منه بهم، فكما أن عطاءه رحمة، فمنعه رحمة. مثال ذلك: أن إنزال المطر بقدر ما يحتاج إليه العباد رحمة منه تعالى، فإذا زاد تضر زيادته كان منعه رحمة.
وبالجملة: فإن أوامر الرب قوت القلوب وغذاؤها، ونواهيه داء القلوب وكلومها. وكذلك: المواريث، والأوقاف، والوصايا، وما في معناها، اشتملت كلها على غاية المصلحة والمحاسن. ولا يمكن ضبط الحكم والمصالح في باب واحد من أبواب العلم، فضلا عن جميعه.