وإن كانت المصلحتان مسنونتين: قدم أفضلهما، فتقدم الراتبة على السنة، والسنة على النفل المطلق.
ويقدم ما فيه نفع متعدد: كالتعليم، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، ونحوها على ما نفعه قاصر، كالصلاة النافلة، والذكر، ونحوها.
وتقدم الصدقة والبر للقريب على غيره. ويقدم من عتق الرقاب أغلاها وأنفسها.
ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أنه قد يعرض للعمل المفضول من العوارض ما يكون به أفضل من الفاضل، بسبب اقتران ما يوجب التفضيل.
والأسباب الموجبة للتفضيل أشياء، منها: أن يكون العمل المفضول مأمورا به بخصوص هذا الموطن، كالأذكار في الصلاة وانتقالاتها، والأذكار بعدها، والأذكار الموظفة بأوقاتها، تكون أفضل من القراءة في هذه المواطن.
ومن الأسباب الموجبة للتفضيل: أن يكون العمل المفضول مشتملا على مصلحة لا تكون في الفاضل، كحصول تأليف به أو نفع متعد لا يحصل بالفاضل، أو يكون في العمل المفضول دفع مفسدة يظن حصولها في الفاضل.
ومن الأسباب الموجبة للتفضيل: أن يكون العمل أزيد مصلحة للقلب من الفاضل، كما قال الإمام أحمد - رحمه الله - لما سئل عن بعض الأعمال:"انظر إلى ما هو أصلح لقلبك فافعله".
فهذه الأسباب تصير العمل المفضول أفضل من الفاضل بسبب اقترانها به.
(14) وضده تزاحم المفاسد // يرتكب الأدنى من المفاسد
(14) المفاسد: إما محرمات أو مكروهات: كما أن المصالح: إما واجبات، أو مستحبات.
فإذا تزاحمت المفاسد، بأن يضطر الإنسان إلى فعل أحدها، فالواجب أن لا يرتكب المفسدة الكبرى، بل يفعل الصغرى، ارتكابا لأهون الشرين، لدفع أعلاهما.
فإن كانت إحدى المفسدتين حراما والأخرى مكروهة: قدم المكروه على الحرام، فيقدم الأكل من المشتبه على الحرام الخالص.
و كذلك يقدم سائر المكروهات على المحرمات.
و إن كانت المفسدتان حرامين: قدم أخفهما تحريما.
و كذا إذا كانت مكروهتين: قدم أهونهما.