الصفحة 15 من 93

لما كانت مع قوتها الهائلة مبنية على هذه الأصول المنهارة كانت هذه المدنية المزعومة والحضارة المدعاة مهددة كل وقت بالفناء والهلاك والتدمير ; والواقع أكبر شاهد على ذلك ; فلو أنها بنيت على الدين الحق والعدل واتباع الحق والوفاء بالمعاقدات ونصر المظلومين لكانت مدنية آمنة , ولكنها في الحقيقة مادية محضة , والقوة المادية إذا لم تبن على الحق فإنها منهارة لا محالة , وربما كان سلاحها الفتاك هو مادة هلاكها وعقوبتها. والمقصود , أن المسلمين بالمعنى الحقيقي لا يغترون بقوة هؤلاء الماديين , وإنما يقومون بالعدل التام في جميع أمورهم , وبالوفاء الكامل في حق الصديق والعدو. وهذه الأمور كلها مضطرة إلى التوكل على الله , والاعتماد على حوله وقوته , وكمال الثقة به في تيسير الأمور وتذليل الصعاب , فيكون المتوكل يعمل بجد واجتهاد , مطمئنا بالله , واثقا بوعده وكفايته , لا يرجو غيره ولا يخاف سواه , لا يملكه اليأس ولا يساوره القنوط ; غير هياب ولا وجل ولا متردد , لأنه يعلم أن الأمور بيد الله , وأن نواصي الخليقة في قبضته وتحت تدبيره. بهذا التوكل التام والعمل الكامل نال المسلمون الأولون العز والشرف والسلطان وصلاح الأحوال. وهذا الذي يجب أن يكون عليه المسلمون الآن , وأن يكون العمل والتوكل نصب أعينهم , فلا يميلوا إلى التواكل والتخاذل والإخلاد إلى البطالة والكسل , فإن هذا ينافي التوكل الحقيقي غاية المنافاة ; كحال كثير من الناس في هذه الأوقات: يشاهدون عدوهم يحاربهم , ويسلبهم حقوقهم , وهم ساكتون لا يدفعونه بوسيلة من الوسائل , ولا يبدون ما يقدرون عليه من مقاومته التي لا يعذرون عن القيام بها , فتكون النتيجة من هذا السكوت والتقاعد الضار ضياع استقلالهم , وذهاب ملكهم وأموالهم , والسيطرة على حقوقهم وحلول المصائب المتنوعة بهم من كل جانب , ويقولون: نحن متوكلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت