ومثل ذلك خبره عن الملائكة والملأ الأعلى وقصة آدم وسجود الملائكة له بعد تلك المراجعات بينهم وبين ربهم قال: {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون} [سورة ص: الآية 69] وأعظم من ذلك كله وأجل إخباره عن الرب العظيم وأسمائه وصفاته مفصلة , بحيث جاء هذا القرآن بما لم يأت به كتاب قبله , وأخبر عن الله أخبارا عظيمة تعجز قدر الأولين والآخرين وعلومهم ومعارفهم أن يأتوا بما يقاربها أو ينقضها أو بعضها , فجميع الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء والمأثور عنهم كل ما في ذلك فإنه في القرآن , وفي القرآن زيادات عظيمة وتوضيحات تدل أكبر دلالة وأقواها على أن من جاء بها إمام الرسل وسيد الخلق , وأن هذا القرآن مهيمن على ما قبله من الكتب. وأن كل حق قاله أو تكلم به أحد من الخلق فهو في ضمن القرآن ودلالته. فإن قيل: كيف تجعلون هذا البرهان الذي هو خبر عن الله وأسمائه وصفاته من براهين هذا الدين , وحقية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم , وأدلة التوحيد والبراهين لا بد أن يعترف بها الموافق والمخالف , وتكون مبنية على الأصول التي يعترف بها العقلاء؟ قيل: الجواب عن هذا الإيراد يتضح بأمور: منها أن الذي جاء به رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب , وقد نشأ بين أمة أميين , لم يجالس أحدا من أهل العلم , ولم يدرس كتابا , ولم يزل على هذا الوصف حتى جاء بهذا القرآن العظيم , الذي معظمه هذه الإخبارات العظيمة المحكمة المتناسبة. فمجرد النظر إلى هذه الحال التي هو عليها , ومجيئه بهذا الكتاب المحتوي على هذه العلوم , برهان قوي يضطر الناظر إليه ويعترف أنه حق , وأنه لا سبيل إليه إلا بالوحي والرسالة. ثانيا أنه صدق المرسلين والكتب السابقة , فالذي جاء به موافق ومطابق لخبر الله وخبر رسله , شاهد له مهيمن عليه مع وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمية.