ثالثا أن ما فيه من الأسماء الحسنى والصفات العليا كلها متناسبة متصادقة , لأن كل اسم منها ووصف يدل على الكمال المطلق بكل وجه واعتبار كمال لا يقاربه كمال , ولا يمكن لعقول العقلاء أن تحيط بمعنى واحد من تلك المعاني والأوصاف العظيمة , فهو أكبر دليل على التوحيد والرسالة. رابعها أن آثارها ومتعلقاتها في الوجود والخلق والأمر مشهودة محسوسة: آثار ما أخبر به من العظمة والملك والسلطان , وآثار ما أخبر به من الحكمة الشاملة والعلم المحيط , وآثار ما أخبر به من الرحمة والجود والكرم , وآثار ما أخبر به من إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإزالة الشدات , وآثار ما أخبر به من شمول القدرة ونفوذ الإرادة وكمال التصرف والتدبير , إلى غير ذلك مما أخبر به عن الله , فإن آثار ذلك في الخلق مشهودة لكل أحد , لا ينكرها أو يتوقف فيها إلا مكابر مباهت. وكذلك آثارها في الأمر والشرائع فهو صلى الله عليه وسلم يخبر عن أمر محكم , وغيب مشاهدة آثاره , محسوسة مقتضياته. وذلك يدل دلالة قاطعة أنه حق , وأن من جاء به هو النبي الصادق المصدوق. خامسا هذه النعوت التي أخبر بها عن الله لا يمكن التعبير عن آثار كنه معرفتها في قلوب العارفين بها من التعظيم والإجلال الذي ليس له نظير , ومن الود والسرور والابتهاج الذي لذات الدنيا بأسرها بالنسبة إليه أقل من قطرة بالنسبة إلى البحر , وهم خلق لا يحصي عددهم إلا الله , وهم خلاصة الخلق , والطبقة العالية من الناس , وأكملهم أخلاقا وآدابا , وأرجحهم عقولا وأصوبهم آراء وأتمهم علوما ومعارف , وقد اتفقوا على هذا الأمر العظيم ليس اتفاقا اعتقاديا علميا فحسب , بل اتفاق علمي يقيني وجداني ضروري , فهذا الاتفاق الذي ليس له نظير , وهو من أعظم البراهين على رسالته , وصحة ما جاء به من التوحيد والحق , وهو من آثار ما أخبر به ونتائجه وثمراته الجليلة.