فإن قلت إنه قد يتفق طوائف من الخلق على بعض الأمور التي ليست بحق , ويكثرون جدا , وقد لا يكون حقا إن لم يكن لهم بذلك برهان علمي , فالجواب: أن الأمر كذلك , فكم يتفق على الباطل أمم لا يحصيهم إلا الله , ولكن ما ذكرنا من اتفاق أهل المعرفة بالله الموصوفين بأعلى الصفات لا يشبهه شيء من تواطؤ الطوائف واتفاقها , لأن هذا مبني على علم يقيني واتفاق وجداني صادر من هؤلاء الكمل الذين هم أرفع البشر في كل فضيلة وخصلة كمال , وذلك عن بصيرة تامة وذوق كامل , ولهذا استشهد الله بهؤلاء على توحيده وصدق رسله فقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام} [سورة آل عمران: الآيتان 18 , 19] فذكر شهادة أولي البصائر من الأنبياء والعلماء الربانيين وأئمة الهدى ومصابيح الدجى على توحيده وعلى العدل , فدل أن هذا من البراهين الواضحة. وكذلك أخبر عن الملائكة وأحوال الملأ الأعلى وعن الجنة والنار وصفاتهما وصفات أهلهما والأعمال الموصلة إلى كل منهما بأمور يستحيل أن يأتي بها إلا نبي صادق بوحي من الله إليه , فإن معارف الخلق وعلومهم تقصر غاية القصور عن معرفة تفاصيل ذلك وبيانه , ولكنها رحمة الله وهدايته لعباده بعثها على يد خاتم الرسل وأكملهم رسالة.