ومن أعظم علوم الغيب التي أخبر بها الله ورسوله بما أبداه الله وأعاده في كتابه وسنة رسوله أنه لا سبيل إلى هداية البشر وصلاحهم وسعادتهم الحقيقية إلا باتباع هذا الدين والأخذ بإرشاداته وتعاليمه. وهذا أمر لا يستريب فيه منصف , وهو مشاهد محسوس , فإن هذه الأمة في عصر الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين لما كانوا مهتدين بعلمه وإرشاده وتربيته الخاصة والعامة صلحت دنياهم كما صلح دينهم , وصاروا المثل الكامل في العزة والقوة , والعدل والرحمة , وجميع الكمالات المستعد لها البشر , ثم لما ضيعوا هدايته العلمية والعملية لم يزالوا في نقص وضعف وذل مطرد لا يزول ذلك حتى يراجعوا دينهم ويرجعوا إلى العمل بهدايته كلها , فهو الذي فيه الشفاء التام من هذا الداء العضال. ثم في مقابلة ذلك , من العجب العجيب الذي ليس بغريب , أن الأمم الأخرى ارتقت في هذه الأوقات في الصناعات الضخمة والمخترعات المدهشة والسلاح الفتاك والقوة والسياسة والفنون العلمية المادية التي لم يشاهد الخلق لها نظيرا , وأنهم لم يزدادوا بها إلا شقاء وهلاكا وتدميرا , حتى صارت حضارتهم التي يعجبون بها ويخضع لها غيرهم مهددة كل وقت بالتدمير العام , وجميع علمائهم وساستهم في حيرة من تلافي هذا الخطر , فهو خطر واقع ما له من دافع , ولن يتلافى ويدفع إلا باتباع ما جاء به دين محمد صلى الله عليه وسلم , المهيمن على جميع الأديان , الكفيل بكل خير وسعادة وفلاح , الجامع بين العلم والعمل , وبين سعادة الدنيا والآخرة. فالعلوم والفنون المادية والقوة المادية المحصنة التي لم تؤسس وتبن على الدين الحق خطرها عظيم , وشرها مستطير. فانظر أحوال الأمم تر العجائب. فهذا الارتقاء المادي الذي لم يشاهد الخلق له نظيرا لما خلا من روح الدين كان هو الحبوط والهبوط , والسقوط الحقيقي في الدنيا والآخرة , بل هو الشقاء والعذاب.