ومن براهين القرآن وهذا الدين إخباره المتنوع بما تفعله هداية الكتاب والسنة في القلوب والأرواح والأخلاق , وأن الأمور المذكورة لا تكمل ولا تتم ولا تصلح ولا تترقى إلا بهدايته , فوجد مخبره كما وصف. فهذا معروف لا ينكر , يشهد به أولو الألباب والبصائر , وهم أذكى الناس وأزكاهم وأصدقهم وأورعهم وأصحهم علوما ومعارف وأذواقا صحيحة , وأعدلهم شهادة عن علم ويقين ووجدان , وذوق صحيح موافق للعلم واليقين. قال تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [سورة المائدة: الآية 16] {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [سورة العنكبوت: الآية 69] فكل من قصد رضوان الله واجتهد في معرفته واتباعه هداه سبل السلام التي أضافها إلى نفسه , لأنه الذي نصبها لوصول سالكها إلى الله عز وجل. والهداية المذكورة في الآيتين وغيرهما تشمل الهداية العلمية لكل علم نافع صحيح , والهداية العمل لسلوك طريق الصلاح باطنا وظاهرا. قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [سورة النحل: الآية 97] وأصل الحياة الطيبة طيب القلب وراحته وسروره , والقناعة والرضى عن الله , وهذا مشاهد أن من حقق الإيمان والعمل الصالح حصل له ذلك بحسب كمال ما قام به من الوصفين أو نقصه , فإن المؤمن الصادق لو كان في أضيق عيش وأشق حالة فإن هذه الحياة الطيبة حاصلة له بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد. وقال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [سورة الرعد: الآية 28] وهذه الطمأنينة بذكر الله هي ما يجده أهل الإيمان والإحسان الصادقين من ذوق حلاوة الإيمان وحقائق اليقين والأنس بالله وانشراح القلب لطاعته وخدمته , والأحوال الزكية التي هي أحلى في قلوبهم من كل لذة يجدها الناس , وهذه براهين ذوقية وجدانية تكون في حق هؤلاء , حق اليقين , وهي أعلى من عين اليقين.