الصفحة 68 من 93

ومما يبين هذا أن دين الإسلام كلما نظر فيه الناظر وناظر عنه المناظر ظهرت براهينه وقوي يقينه وازداد نوره وقوي به إيمان المؤمنين ; وإذا قابله ما يضاده من كل باطل ظهر فساده وقبحه وبناؤه على ظنون وشبهات لا تسمن ولا تغني من جوع , وظهر الكذب في أخباره والباطل في أحكامه , فإن الحق والباطل ضدان ونقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. قال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [سورة يونس: الآية 32] {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} [سورة الأنبياء: الآية 18] وهذا النوع الذي هو الاستدلال بنفس ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأنه آيات وبراهين على رسالته وصحة ما جاء به أبلغ بكثير من دلالة المعجزات الظاهرة المتنوعة , فإن هذا برهان عظيم يخضع له جميع العقلاء , ولهذا كان في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى هذا الدين بيان ما يدعو إليه وما يأمر به وينهى عنه , كما استدل الصحابة رضي الله عنهم بذلك عند ملك الحبشة لما دعاهم وسألهم عما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنه كان ينهى عن عبادة الأوثان , وعن الفواحش والظلم وقطيعة الأرحام , وأنه يأمر بعبادة الله وحده وبصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء , وبالزكاة والصلاة والصيام فصدقهم بذلك واعترف برسالته وآمن به. وكذلك هرقل ملك الروم الذي هو من أعلم النصارى في وقته لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام سأل أبا سفيان بن حرب ومعه قومه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بها فأقر واعترف أنها صفات الأنبياء , وأن من هذا وصفه فلا بد أن يظهر دينه , فقال هرقل لأبي سفيان في جوابه عن أسئلته: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب , وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها ; وسألتك: هل قال أحد قبله هذا القول؟ فذكرت: أن لا. فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت هذا رجل يتأسى بقول قيل قبله. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت