الصفحة 71 من 93

ومن براهين الأديان ومحاسنها عموما وبراهين الإسلام ومحاسنه خصوصا أنها أخبرت عن أمور الغيب أخبارا مفصلة عظيمة ينتفع بها الخلق في عقائدهم وإيمانهم ويقينهم وفي إصلاح أخلاقهم , أخبارا تفيد القطع واليقين كالأخبار عن الله ونعوته وأفعاله , وعن الملائكة والجن وعن اليوم الآخر والجنة والنار , وفرضت على الخلق اليقين التام بكل ما أخبر الله به وما أخبرت به رسله , وأن يقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه , وبين لهم أنه لا طريق لهم إلى معرفة كنه ذلك وحقيقته , ونهى عن التكلف بطلب معرفة كنه ذلك , وأنه لا سبيل للبشر إليه في هذه الدار التي هي دار الابتلاء والامتحان ودار العمل , فإن مقصود الإيمان بالله وبكتبه ورسله لا يتم إلا بالإيمان بالغيب , وتسليم أمور الغيب وتفاصيلها إلى ما ذكره الله في كتابه وأخبر به رسوله , فإن الكتاب والسنة يحويان من أمور الغيب ما لا يوجد ما يقاربه في جميع العلوم المأثورة عن الأنبياء , وبالوقوف على ذلك وعدم تعديه يحصل المقصود من التكليف والامتحان بالشرائع , ولو صار الغيب مشاهدا ومعروفا للناس في هذه الدار زال هذا المقصود الأعظم ولم يحصل الإيمان الاختياري المثمر للسعادة الأبدية , ومهما ارتقت معارف البشر في علوم الكون فلن يصلوا إلى معرفة حقيقة هذا الغيب , قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} [سورة الجن: الآيتان 26 , 27] وبهذا يعرف أن أمور الغيب خارجة عن طور المحسوسات , وأنه لا سبيل للعقول إلى التوصل لإدراكها , وأنه يجب التسليم التام فيها إلى الشارع بلا قيد ولا شرط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت