فهرس الكتاب
ومن براهين الأديان ومحاسنها عموما وبراهين الإسلام ومحاسنه خصوصا أنها أخبرت عن أمور الغيب أخبارا مفصلة عظيمة ينتفع بها الخلق في عقائدهم وإيمانهم ويقينهم وفي إصلاح أخلاقهم , أخبارا تفيد القطع واليقين كالأخبار عن الله ونعوته وأفعاله , وعن الملائكة والجن وعن اليوم الآخر والجنة والنار , وفرضت على الخلق اليقين التام بكل ما أخبر الله به وما أخبرت به رسله , وأن يقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه , وبين لهم أنه لا طريق لهم إلى معرفة كنه ذلك وحقيقته , ونهى عن التكلف بطلب معرفة كنه ذلك , وأنه لا سبيل للبشر إليه في هذه الدار التي هي دار الابتلاء والامتحان ودار العمل , فإن مقصود الإيمان بالله وبكتبه ورسله لا يتم إلا بالإيمان بالغيب , وتسليم أمور الغيب وتفاصيلها إلى ما ذكره الله في كتابه وأخبر به رسوله , فإن الكتاب والسنة يحويان من أمور الغيب ما لا يوجد ما يقاربه في جميع العلوم المأثورة عن الأنبياء , وبالوقوف على ذلك وعدم تعديه يحصل المقصود من التكليف والامتحان بالشرائع , ولو صار الغيب مشاهدا ومعروفا للناس في هذه الدار زال هذا المقصود الأعظم ولم يحصل الإيمان الاختياري المثمر للسعادة الأبدية , ومهما ارتقت معارف البشر في علوم الكون فلن يصلوا إلى معرفة حقيقة هذا الغيب , قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} [سورة الجن: الآيتان 26 , 27] وبهذا يعرف أن أمور الغيب خارجة عن طور المحسوسات , وأنه لا سبيل للعقول إلى التوصل لإدراكها , وأنه يجب التسليم التام فيها إلى الشارع بلا قيد ولا شرط.