أجيب: سبب هذا الفعل بيّن ظاهر في حديث أبي بكر، محتمل في غيره، فإن الرجل عدّ هذا العمل خيرا قدّمه لنفسه، وطمع في أن أرحم الراحمين لا يجمع عليه بين عذاب في الدنيا وبين عذاب في جهنم، والشاهد لهذا قوله:
«فو الله لا يقدر عليّ رب العالمين أبدًا فيعاقبني إذ عاقبت نفسي في الدنيا عليه» .
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «فغفر له لخوفه» .
فإن قيل: بماذا نفعل بالروايات السابقة: «فإنّ الله إن يقدر عليّ لم يغفر لي» .
«وإن يقدم على الله يعذبه» .
«فو الله لئن قدر الله علي ليعذبنّي عذابا ما عذبه أحدا» «لعلي أضل الله» ؟
أجيب: بأن «إن» الشرطية في هذه الروايات بمعنى «إذا» الزمانية؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى جواب، والشيئان إذا تضارعا جاز أن يقع كل واحد منهما موقع صاحبه فيكون معنى الحديث: (إن الله إذا قدر عليّ لم يغفر لي» كما حمل العلماء «إن» على «إذا» في قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} ، وقوله عليه السلام «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» أي إذا شاء الله.
و على هذا يكون الرجل مؤمنا موقنا لا شاكا مترددا.
وأما القدرة في الحديث فليست بمعنى المقدرة والاستطاعة، بل بمعنى التضييق والتشديد أو الحكم والقضاء والتقدير على حدّ قوله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه} {وأما إذا ابتلاه فقدر عليه رزقه} {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} {فظن أن لن نقدر عليه} .
قال العلامة القسطلاني (923 هـ) رحمه الله: «لئن قدر الله عليّ، ضيّق الله عليّ، كقوله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه} أي ضيّق عليه، وليس شكا في القدرة على إحيائه وإعادته ولا إنكار البعثة كيف وقد أظهر الله إيمانه باعترافه بأنه فعل ذلك من خشية الله تعالى» إرشاد الساري (6/ 305) .