الصفحة 13 من 26

وأما قوله: «لعلي أَضِلُّ اللهَ» فهو حديث شاذ لمخالفته لأحاديث الجمهور، وإن سلّم فهو رواية بالمعنى، ويجري مجرى قوله: «لئن قدر الله عليه» ويكون المعنى: «لعلي أفوت عذاب الله في الآخرة بتحريق نفسي له في الدنيا» على ما دلّت عليه الروايات الأخرى.

وذكر ابن الأثير في «النهاية» في تأويل اللفظة قولين: «أي أفوته ويخفى عليه مكاني»

وعلى هذا التأويل يكون جاهلا بكمال علمه سبحانه وتعالى كما قاله العلامة القارئ في شرح الشفا (2/ 530) .

قال ابن الأثير رحمه الله: «وقيل: لعلي أغيب عن عذاب الله تعالى» .

قلت: الثاني أظهر بدليل حديث أبي بكر الصديق، وجزم به العلامة الجاجرمي في الرسالة (ص 350) .

وقال أبو الحسن السندي رحمه الله: «ولعله قال ذلك عند غلبة الخوف عليه بحيث طار عقله وإلا فاعتقاد مثله كفر» حاشيته على المسند (4/ 523)

وإلا فالحديث مشكل بالنظر إلى شريعة الإسلام ذلك؛ أن الرجل كان نباشا وحقوق الناس لا تسقط إلا بردّها إلى أهلها ولم يرد أنه ردّ المظالم إلى أصحابها.

والظاهر أيضا أن الرجل أيئس من رحمة الله إذا قيل: إنما أحرق نفسه لئلا يعاد يوم القيامة، ومن قنط من رحمة ربه فبعيد أن يرحم إن لم يكن كافرًا! وأيضا أساء الظن بربه عند موته.

وإذا كان جاهلا بقدرة الله وبعلمه، واعتقد أنه يخفى مكانه إذا حرّق وذري على ما ذهب إليه المحتجون بالقصة فكيف يكون الجاهل بعلم الله وبقدرته مؤمنا خائفا من الله مع قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ، وكيف قال: «خشيتك يا رب، وأنت أعلم» .

ولعلّ هذا الإشكال هو الذي اضطر العلامة البوني رحمه الله إلى القول: «هذا الحديث من أحاديث بني إسرائيل، وإنما جاء من طريق الآحاد، والله أعلم بحقيقته» .

لكن أحسن الإمام أبو الوليد الباجي صنعا لما قال تعليقا على قوله: (خشيتك يا رب وأنت أعلم) :

«وهذا يدل على إيمانه، وعلمه بصفات الله تعالى، وأنه أعلم منه بمقصده ومعتقده، فكيف يظنّ مع هذا أنه لا يقدر على إعادته» . المنتقى شرح الموطأ (2/ 519) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت