الصفحة 4 من 26

وحديثُ رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (ألا لا يمنعنَّ أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يُقرِّب مِن أَجَل، ولا يُبَاعد مِن رزق، أن يقول بحق أو يذكر بعظيم) .

والأمرُ الثاني: أن يخافَ مِن ذَهابِ الدينِ مِن بعدهِ واندثارِه، فيقولَ في نفسِهِ: مَن للدينِ من بعدِكَ إن أنت قُتِلتَ أو أُسِرتَ أيها العالمُ أو الداعية؟ من للمسجدِ من بعدك إن أنت قتِلتَ أو أسِرتَ أيها الخطيبُ أو الإمام؟ من للأزهرِ من بعدك إن أنت قتلتَ أو أسرتَ أيها المحاضرُ أو الدكتور؟! فتُزيِّنَ له نفسُه عدمَ الصدعِ بالحقِ مقابلَ هذه المخاوفِ الواهيةِ المتوهمة، فها هو رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ بدرٍ الكبرى ينظرُ إلى جيشِ الكفار والذي قِوامُه قُرابةَ الألفِ من المشركينَ بكاملِ عتادِهم وأسلحتِهم، وينظرُ إلى جيشِ المسلمين والذي قِوامُه قُرابةَ الثَلاثِمِائَةِ وبضعةَ عشر على ما فيهم من نقصٍ في العتادِ والعدةِ والسلاح، لم يكن يملكُ المسلمون حينها سوى فرسين فقط يا عبادَ الله مقابلَ مِائتي فرسٍ من المشركين، نظرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى القوتين وقد جاءَهُ الأمرُ الإلهيُ بالقتال فوقفَ -صلواتُ ربي وسلامُه عليه- بين يدي مولاه يستغيثُه ويرجوه ويتوسلُ إليه راجيًا متذلِّلًا مُستَضعَفًا:

(اللهم أَنْجِز لي ما وعدَّتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعْبَد في الأرض، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض) ..

وظل صلواتُ ربي وسلامُه عليه يرددُها حتى سقطَ رداؤه مِن على مِنكبَيهِ من شدةِ الاستغاثةِ بالله، ولم يكن يسعُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وصحابتَهُ -رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين- سوى امتثالِ أمرِ اللهِ بالجهادِ في سبيلِ الله {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} ، فراحَ -صلواتُ ربي وسلامُه عليه- يستجلبُ أهمَ أسبابِ النصر ألا وهو الدعاء، ألا وهو الدعاءُ يا عبادَ الله، الدعاءُ وحسنُ التذللِ بين يدي مولاه والاستغاثةُ به سبحانه: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض) ، يستغيثُ اللهَ باستضعافِه واستضعافِ صحابتِهِ يا عبادَ الله، يستغيثُ اللهَ متبرِّئًا من حولِهِ وقوتِهِ، إلى حولِ اللهِ وقوتِهِ -سبحانَهُ العليِ القدير-، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

فلو نظرَ الآن واحدٌ ممن امتلئَ قلبُهُ بالخوفِ من أعداءِ الله، وقد حذرنا اللهُ -عز وجل- من هذا الخوفِ حين قال: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت