بسم الله الرحمن الرحيم
مؤسسة البيارق الإعلامية
تقدّم:
كلمة صوتية بعنوان:
للشيخ أبي عياض التونسي
-أمير أنصار الشريعة بتونس-
نشيد:
جئنا لنشر الخير فانصرنا يا مولانا
لا نبتغي الدنيا فقد هجرنا دنيانا
لبيك ربّي؛ روحي وقلبي
روحي وقلبي لبيّك ربّي؛
جئنا نلبّي
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح الأمّة، وكشف الغمّة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، والطريق الواضح، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتنكبها إلا ضال.
أمّا بعد؛
أوصيني إخوتي وأحبّتي وإيّاكم بتقوى الله؛ فإنّ خير ما أوصى به المؤمن إخوانه تقوى الله، حيث أمرنا في كتابه العزيز -بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71] .
ثم أمّا بعد؛
ديننا الذي ارتضاه الله لنا: دين عظيم، دين كتب الله لأهله العزّة في الدنيا والفوز في الآخرة إن تمسّكوا به حقّ التمسّك، وإن جعلوه منهاج حياتهم في كلّ كبيرة وصغيرة، في كل ما يعلمون وما لا يعلمون، في كل ما لديهم، وفي كلّ نازلة تنزل عليهم يعيدونها إلى هذا المنهج القويم.
فمعرفة عظمة هذا الدين: واجبة علينا؛ حتى نكون حقًّا منتمين لهذا الدين، مستحقين للعزّة التي كتبها الله لنا، التي تستوجب أن نستعلي به أمام كل الأديان وأمام كل النظريات، وأمام كل المناهج الدخيلة التي تدخل على الأمة.
فمعرفة الدين حق المعرفة: هي النجاة، وبها تتحقق العزّة المنشودة.
أقول هذا الكلام؛ لأنّ أغلبنا -وللأسف الشديد- صار انتماؤه إلى الإسلام اسميًّا أكثر منه حقيقة، صار انتماؤه إلى كتاب الله مجرّدَ قراءة أو تبرك، من غير إنزاله إلى واقع حي، يسير به بين الناس.
صار انتماؤه إلى محمد صلى الله عليه وسلم مجرد صلاة عليه إذا ذكر، وفي كثير من الأحيان إذا ذكر لم يصلَّ عليه.
صار انتماؤه إلى الله جلّ في علاه: مجرّد قول لا يستحضر معه عظمة هذا الرب، ولا يستحضر صفاته، ولا يستحضر أوامره التي أنزلها عليه، ونواهيه التي نهاك أن تقترفها.
فما المطلوب منا؟
المطلوب منا أن نكتشف أنفسنا، أن نعرف عظيم النعمة التي أنعم الله علينا بأن جعلنا مسلمين، بأن جعلنا أتباعًا لهذا الدين، بأن أراد منا أن نكون حقًّا مقتدين بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، أن نكون حقًّا عُبّادًا لله؛ {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ؛ أن نفهم حقيقة العبادة، أي حقيقة التوحيد.
إذا عرفنا هذا، واكتشفنا عظيم نعمة الله علينا، بأن اصطفانا من بين الأمم، واختارنا من بين هذه المليارات من البشر، أن نكون حمَلة للتوحيد، منتسبين إلى هذا الإسلام العظيم، إذا اكتشفنا هذا: أعدنا الإسلام للعزّة، وأعدنا الشرع إلى واقع يحكمنا ويحكم الناس.
أمّا إذا تخاذلنا عن اكتشاف أنفسنا، واكتشاف حقيقة الرسالة التي من أجلها خُلِقنا، ومعرفة كتابنا حقّ المعرفة: بأن نخرجه من طور القراءة والتبرّك، إلى طور التدبر وإنزاله على الواقع، ممارسة كما يحبّها الله ويحبها رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا عرفنا قبل ذلك سيرة وحياة هذا النبي، الذي اصطفاه الله على الأنبياء، واصطفاه على الخلق، ليكون حامل أكمل رسالة، وأعظم رسالة أُنزلت على البشر؛ من أجل إنقاذهم من عبادة ما دون الله، وإدخالهم إلى التوحيد الذي من أجله خُلقوا.
إلى معرفة قبل ذلك وهو الأهم؛ لأنّ كل ما ذكرته مرتبط به؛ وهو معرفة الله جلّ في علاه، الله؛ هذه الكلمة العظيمة، هذا الربّ العظيم، مَن هو؟ أن نعرف صفاته، أن نفهمها حق الفهم؛ لأنّه لا يمكن أن يتحقق التوحيد بدون معرفة الموحَّد؛ وهو الله جل في علاه؛ ولذلك لا يمكن لمسلم أن يكون ملتزمًا بالإسلام حقًّا، وهو يجهل الرب الذي يعبده، وهو يجهل أنّ الله يفرح، وأنّ الله يغضب، أنّ الله يحب، وأنّ الله يبغض، أنّ الله بيده ملكوت كل شيء، وأنّ قلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء.
إذا جهل هذا وغيره: فكيف سينتصر لله حق الانتصار؟!
فكيف سينتصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه مبعوث من هذا الرب العظيم؟!
وكيف سينتصر للكتاب؟! هذا القرآن العظيم الذي هو كلامه الموجَّه إليك؛ من أجل أن تطبّقه، كيف سينتصر له، وهو لم يعرف الأصل الأول الذي يقام عليه هذا الدين؛ وهو توحيد الله جل في علاه؟!
هذه شذرات وإشارات من أجل أن نسعى لمعرفة ربنا، ومعرفة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، ومعرفة كتابنا، والرسالة التي من أجلها وُجدنا، شذرات نلقيها بيننا؛ حتى نعرف الطريق التي بها نكتشف أنفسنا؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل في قلب كلّ مؤمن قوّة يهتزّ لها الكون كلّه؛ إذا عرف الطريق الصحيح إلى الله سبحانه وتعالى.
أكتفي بهذه الشذرات، لأتكلم عن الواقع الذي نعيشه؛
كثير من المسلمين اليوم: لا يعرفون مَن نحن، مَن هؤلاء الذي يسعى العالم بأسره، وهؤلاء المتمسكون بكراسي الحكم في هذه البلاد وغيرهم من الأحزاب العلمانية والمتهافتة التي تكيد للإسلام وأهله، كلّ هؤلاء الذين ينصابوننا العداء ويرسلون الشائعات تلو الشائعات من أجل تشويه روّاد المساجد، وتنفير الناس منهم، من أجل أن تخلو المساجد وأن تعود إلى عهدها السابق، يخوّفون الناس منا، يخوّفون الناس من أصحاب اللحى، وأصحاب العمائم والقمصان وغيرها، مما يتشبث به أهل الإسلام وشبابه اليوم، متشبهين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم.
للأسف الشديد؛ أنّ كثيرًا من أهل الإسلام ينساقون وراء ما يمكر به أعداء هذا الدين، فصاروا يتوجّسون من روّاد المساجد ويخشونهم، ويصدقون الشائعات التي تُحاك ضدهم؛ حتى ينفّروا بينهم وبين هذا الشعب المسلم الذي هو في حقيقته يحب الإسلام، لكن هناك جُدُر دونه ودون تطبيق الإسلام على هذه الأرض.
أهل الإسلام في هذه البلاد، ما هو أصلهم؟ ما هي هويتهم -بين قوسين-؟ إلى مَن يعود تاريخهم؟
أليس إلى الإسلام؟! أليست هويّتهم مرتبطة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحين لهذه الأرض المباركة؟!
هؤلاء أهل الإسلام؛ روّاد المساجد، هم أوّل النّاس من يجب عليهم أن يُعمِلُوا قول الله جلّ في علاه: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ؛ وإذا كانت هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت في المسلمين فيما بينهم، أي إن جاءك مسلم بخبر: لا تصدقه حتى تتأكد منه، حتى تعلم صحته، حتى تعلم ثبوته، فلا تظلم أحدًا، فما بالك إذا كانت الشائعات تصدر عن أعداء الإسلام، تصدر عمّن يحيق بالإسلام ويمكر له ليلًا ونهارًا!
فأنت أيّها المسلم يا من ترتاد المساجد؛ أنت أوّل النّاس من يتوجّب عليك إعمال هذه الآية فضلا عن أن تُعمل حسن الظنّ الواجب تطبيقه على أهل الإسلام، فلا تظنّ بإخوانك إلّا خيرًا، وأن تدفع عنهم كما تدافع عن نفسك.
لماذا يصنّفون أهل الإسلام اليوم؟ لماذا يشوّهون من يطلقون عليهم السلفيّة؟ لماذا كلّ هذا؟
الحقيقة بيّنة واضحة، لكن المشكل فينا نحن أهل الإسلام كما قال الله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] ، المشكلة فينا، هؤلاء أي أنا وأنت، ألسنا ممّن يحبّ الله ويحبّ رسوله ويحبّ كتابه ويحبّ تطبيق شرع الله على هذه الأرض، ألسنا كذلك حقيقة أم أنّنا ندّعي ذلك بأفواهنا وتنكره قلوبنا، وتنكره أفعالنا، وتنكره ممارساتنا؟!
حتّى صار الأخ الملتحي عبارة عن رجل، أو مخلوق أسقط من كوكب آخر، شخص غريب في أمّته وصدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا تحدّث عن الغرباء،"من هم يا رسول الله؟"، قال: (الذين يحيون ما أمات النّاس من سنتي) ، فإذا أحيا شابّ مسلم سنّة من سنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صار غريبًا بين أهل الإسلام قبل أن يكون غريبًا بين من يحاربون هذا الدين العظيم، صار الملتحي كأنّه عدوّ، كأنّه إنسان فاتك بالمسلمين، لا تأخذوا هذه الصورة التي يروّجها أعداء الله عنّا، نحن لا نحبّ لهذا الشعب المسلم إلّا الخير، وهذا الشعب في حقيقته يحبّ الإسلام، فيجب علينا -خاصّة نحن روّاد المساجد- أن نكسر هذه الحواجز بين الشعب وبين هؤلاء الشباب الملتزم الذي يريد تطبيق شرع الله، يريد إعادة المجد لهذا الدين، يريد إعادة العزّة لكتاب الله، يريد إعادة الاعتبار للمساجد، يريد إعادة الاعتبار للمرأة المسلمة التي جعلوا منها بضاعة تباع وتشترى، كأنّها جارية تباع في سوق النخاسة.
هذا الشباب المسلم؛ يجب أن تُكسر الجذر التي تمنع روّاد المساجد وتمنع هذا الشعب المسلم من فهمه أنّه شباب يريد أن يتشبّه برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، سبحان الله؛ من يتشبّه بهؤلاء الكفرة ممّن تعرفون من لاعبي كرة القدم ومن الفنّانين وغيرهم لا يستنكر أهل لإسلام، لا يستنكرُ مظهرهم وطريقة حلاقتهم وطريقة لباسهم ويستنكرون من يتشبّه برسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ يستنكرون عليه لحيته، يستنكرون عليه قميصه، يستنكرون عليه طريقة صلاته وتعبّده، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: (صلّوا كما رأيتموني أصلّي) .
سبحان الله؛ المفاهيم انقلبت، الموازين انقلبت.
فعلينا أهل الإسلام أن نحسن الظنّ بأهل الإسلام، أن لا نأخذ أخبارنا من أعدائنا، أن لا ننساق وراء الشائعات.
نحن أمّة أوجدت عِلمين تميّزت بهما عن سائر الأمم، ولم يوجد في تاريخ الإنسانيّة مثل هذين العلمين؛
-العلم الأوّل: علم أصول الفقه، وهي تلك القواعد التي من خلالها يستخرج المجتهد والفقيه الأحكام الشرعية.
-والعلم الثاني: هو علم الأخبار، علم الرجال؛ ممّن تأخذ الخبر؟ وكيف تغربله؟ بل كيف تنخله نخلا؟ كيف تتثبّت منه؟
هذا العلم العظيم يجب أن ينطبع على سلوك الأمّة حتّى تنقي أخبارها فلا تأخذ الغثّ حتّى تميزه من السمين، فلا تأخذ عن أعداء أمّتها بل تأخذ عن الثقات.
هذا العلم يغفل عنه أهل الإسلام، ممّن يستقي أهل الإسلام وأخصّ بالذكر روّاد المساجد بالمرتبة الأولى، يأخذون أخبارهم من أعدائنا، مازال صنم الإعلام -الذي غرسه أعداء هذا الدين لمدّة عقود في عقول شعوبنا المسلمة وفي عقول روّاد المساجد- مازال جاثمًا في هذه العقول رغم أنّ هؤلاء الحكّام قد انهارت صروحهم، وزلزلت عروشهم، فلماذا لم ُيزلزَل هذا الصنم في عقول روّاد المساجد؟!
لماذا لم يعودوا إلى القرآن عودة فيها تدبّر وفيها صدق حتّى يميّزوا بين الحقّ والباطل؟!
لماذا يرهبون النّاس منّا؟!
لماذا يخشون من الصدع بكلمة الحقّ والدعوة إلى تطبيق شرع الله؟!
لماذا يشوّهوننا؟!
لماذا في كلّ منبر يُتكلّم عنّا ويُخوّف منّا؟!
لماذا كلّ هذا؟!
لأنّهم يخشون على مصالحهم، يا ليتهم يخشون على مصالحهم فقط، لأنّهم يخشون أيضًا على مصالح الغرب، على مصالح أمريكا والاتحاد الأوروبي وغيرهم من اليهود والنّصارى، فلا يمكن لهم أن يحفظوا مصالح هؤلاء إلّا بالتنفير منّا وبمحاربتنا، فلماذا ينساق أهل الإسلام وراء مخطّطاتهم؟ أين إحسان الظنّ؟
نعم؛ نحن نتمسّك بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نتمسّك بكتاب الله كما أنزل على فهم سلفنا، نتمسّك بديننا في كلّ كبيرة وصغيرة، لا نحيد عن الكتاب والسنّة، ولا أقوال أئمّتنا من سلفنا، لا نحيد عنها قيد أنملة لأنّنا هكذا أُمرنا و هكذا أراد الله منّا، فهل ينقم علينا من يخالفنا أن نتمسّك بديننا؟!
بالله عليكم لمّا يُقذف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويشتم ويسبّ، فيقوم من يقوم من شبابنا نصرة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويستنكر عليه بعض أهل الإسلام وروّاد المساجد، بالله عليكم ألا يطرح السؤال: هل محمّد صلّى الله عليه وسلّم بعث لهؤلاء الفتية خاصّة أم أنّه هو رسول أرسل للعالمين، وأنّ أولى النّاس بالانتصار له بل وبالموت دونه أهل الإسلام كلّهم أم هذه الفئة فقط؟!
كيف نقول في صلاتنا:"أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله"ولمّا يهان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تتحرّك فينا شعرة؟!
كيف ندّعي أنّنا ننتسب إليه صلّى الله عليه وسلّم ونسأل الله أن يحشرنا في زمرته وعندما يهان -بأبي هو وأمّي- صلّى الله عليه وسلّم ندع الأمر لشباب نحن نتّهمه بالتعصّب، ونتّهمه بالتطرّف، ونستعمل مصطلحات الأعداء في تشويهه؟!
سبحان الله؛ أين الإنصاف؟! قبل أن يكون معنا أين الإنصاف مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟!
مَن المسلمين أنكر ما وقع منذ أسابيع في بنزرت؟ مَن؟ إلّا القلة القليلة، إلّا من رحم ربّي وإذا قام هؤلاء الشباب؛ يستنكر عليهم: دعاة فوضى، متنطّعون، وغير ذلك.
أقول لكم إخواني، روّاد المساجد خاصّة؛
الإسلام ليس حكرًا على طائفة، والرسول ليس حكرًا على طائفة صلّى الله عليه وسلّم، والقرآن ليس حكرًا على طائفة، يجب أن تنغرس في قلوبنا الغيرة على ديننا، يجب أن نستعلي بديننا، يجب أن نعتزّ به.
لماذا لمّا يجلس اللّالكي والعلمانيّ وكلّ إيٍّ إيٍّ في منابر الإعلام يصدعون بعقائدهم، ويعتزّون بمبادئهم، ويفتخرون بأنّهم لا يمتّون للإسلام بصلة، في حين لمّا يظهر من ينتسب إلى الإسلام يتنازل عن إعزاز دينه، أين قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَ سُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ؟!
أين الاستعلاء بالإيمان؟!
أين معنى أنّ الله اصطفاك من دون مليارات من البشر أن تكون مسلمًا له، أن تكون موحّدًا؟!
فلماذا تخجل بدينك وتتخاذل عن إعزازه في حين أنّ عدوّك مقابلك يعتزّ بما هو عليه؛ يعتزّ بعلمانيّته ولالكيّته، يجهر بأنّه لا يؤمن بالله؟!
فلماذا لا تجهر بأنّك تحبّ تحكيم شرع الله؟!
لماذا لا تجهر بأنّك تريد أن تعيد لهذا الشعب أصله وهو الإسلام؟!
لماذا؟ هذه تساؤلات يجب على كلّ واحد منّا أن يسأل نفسه.
أقول إخواني؛
لا تخشوا هؤلاء الذين يشوهونكم ليلًا ونهارًا، فوالله؛ إنّهم يحبّون الخير لهذه البلاد ولشعبها ولسائر بلاد المسلمين؛ يحبّون الخير لهم بإعادتهم إلى شرع الله، بتعليمهم دينهم، بإعادتهم إلى المساجد.
[انقطاع التسجيل لثواني] .
الانتساب إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم، الانتساب إلى كتاب الله جلّ في علاه، الانتساب إلى الله بتحقيق العبادة التي من أجلها خلقوا.
ما هي هذه الحياة؟
هذه الحياة زائلة، زائلة، زائلة.
فما الذي سنأخذه معنا؟
لاشيء غير أعمالنا، لاشيء غير أن نكون في طريق الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن لنا أن يتم إيماننا إلا إذا أحببنا الخير لهذا الشعب المسلم؛ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، فنحن نحب لأنفسنا أن نُحكم بشرع الله على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يتم إيماننا حتى نحب هذا أيضًا لهذا الشعب، حتى نحب هذا أيضًا لإخواننا ممّن يخالفوننا المنهج ويخالفوننا الطريقة.
فيا إخواننا؛ هذه أيدينا مبسوطة إليكم، نريد لكم الخير وإن خالفناكم، وإن قلنا بأننا لا نؤمن بطريقة الانتخابات والديمقراطية، لأنه لا يمكن أبدًا أن يُطبق الإسلام من طريق يرسمها أعداء الإسلام، من طريق يحارب فيها الإسلام، لا يمكن أن يُقام شرع الله إلا بما شرع الله، لا يُقام شرع الله بما شرع أعداء الله.
نعم؛ نحن لا نؤمن بهذه اللعبة لأن الله جلّ في علاه أخبرنا في كتابه أن هؤلاء لن يرضوا عنا: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] ، لن يرضو عنا: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [لبقرة:217] ، هذه آياتٌ محكمات فهل يمكن لعاقل أن يتصور أنه بطريق هؤلاء الذين يناصبوننا العداء وأن عداءهم مستمر إلى يوم القيامة، هل يمكن بطريقتهم أن ننتهي إلى تطبيق شرع الله؟!
هذا لا يمكن قبوله عقلًا، فضلا عن الواقع، والممارسات والتجارب التي وقعت في الأمة، فأين النتائج؟ أين النتائج؟ انظروا إلى المغرب، إلى مصر، إلى الأردن، إلى تركيا، إلى الجزائر، التجارب عديدة فأين شرع الله؟!
هل يمكن بطريق الأعداء أن نطبق ما يحاربنا الأعداء عليه؟!
لا يمكن.
فلذلك نحن لما نقول هذا نعلن عما نعتقده ونعتز باعتقادنا، وهذا لا يعني أنّنا نحارب إخواننا بل نحن نلتمس لهم عذرًا؛ إما بأنّهم متؤوّلون أو بأنهم يرون المصلحة في ذلك، ونحن نقول بأعلى صوت أنها مصلحةٌ موهومة غير معتبرة شرعًا، ومع ذلك نبسط أيدينا لإخواننا عسى الله أن يعيدهم إلينا، أن يعيدهم إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي بأن يسير في طريق الوضوح والثبات، طريق أنه لا يمكن أن يُقام شرع الله إلا بما شرع الله لا بما شرع أعداء الله، طريق أنه لا يمكن أن يكون في الإسلام بقعة أو منطقة رمادية، طريق إما كفرٌ وإما إيمان.
لا نحب أن ندخل في صراع مع إخواننا، هذا ما يريده أعداء الله، ولكن نريد من إخواننا أن يفتحوا قلوبهم لنا، وأن يفتحوا آذانهم لنا ليسمعوا أدلتنا، وليسمعوا ما نؤمن به وما نعتقده، فإنه من باب أولى أن يستمعوا لإخوانهم وأن يقرؤوا لإخوانهم قبل أن يستمعوا لأعداء ديننا من الذين يجاهرون بكفرهم وعدائهم ليلًا ونهارًا، أن يقرؤوا لنا قبل أن يقرؤوا لأعدائنا، أن يفهمونا قبل أن يفهموا أعدائنا، لأننا إخوانهم وهم إخواننا.
هذه دعوتنا، هذا هو منهجنا، منهجنا واضح لا نرضى فيه بأنصاف الحلول، وكما قال مشايخنا: هذا ديننا لو كان مفروشًا بالورود لكان محمد صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلك طريق الدماء وطريق التعذيب والتهجير والإخراج من الوطن، هذا هو ديننا، فهل نحن أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
الإسلام دين تكليف، والتكليف مشتق من الكُلفة أي المشقة، لا يمكن أن يقوم الإسلام إلا بمشقة، إلا ببذل، إلا بعطاء إلا بتضحيات، إلا بدماء، إلا بأشلاء، إلا بحرمان، إلا بجوع، هذا هو طريق الأنبياء، مَن مِن الأنبياء لم يُعذّب؟! مَن مِن الأنبياء لم يُهجّر؟! مَن مِن الأنبياء لم يُحارب؟!
ونحن نقول أننا أتباع الأنبياء، ونريد أن نصل إلى تحكيم شرع الأنبياء من غير تضحيات؟!
لا يمكن، لا يمكن أبدًا؛ {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، فهذه سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أتباعه فعلينا أن ندفع الضريبة كما دفعها أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نكون بحقٍ مستمسكين بسبيله صلى الله عليه وسلم.
فيا إخواننا، يا أحبتنا، يا من نحب لكم الخير، يا رواد المساجد، يا من يخالفنا في فهم الإسلام؛
اسمعوا إلينا بآذان مصغية، افتحوا قلوبكم لنا، بشوا في وجوهنا، واسمعوا منا، وافهمونا، فو الله؛ لا نريد إلا الخير، ولا نريد إلا شرع الله جل في علاه، لا نريد إلا تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه البلاد لكن بالطريق التي يرضى بها الله عنا، لا بطريق سطّرها أعداء الله، سطرها أعداء هذا الدين، هذا عقلًا من غير أن نعود إلى الشرع، عقلًا غير مقبول، فافهموا منا، ولنتصافح ونضع أيدينا في أيدي بعض، فو الله؛ إن الحق واحدٌ لا يتعدد، وإذا أردت أن تعرف الحق، إذا أردت أن تعرفه عقلًا وواقعًا ثم شرعًا فانظر إلى أصحابه، لا يمكن عقلًا وواقعًا أن يجتمع العالم كله؛ مسلمهم وكافرهم ليخالف أهل هذه الطريق إلا إذا كانوا هم أهل الحق، إلا إذا كانوا هم الذين بشّر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم لن ينقطعوا عن سلسلة الحق المرتبط أوّلها برسول الله صلى الله عليه وسلم وآخرها بالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال) .