الصفحة 46 من 52

بسم الله الرحمن الرحيم

مُؤسَّسَةُ البيارق الإِعلاميّة

تقدّم

كلمة صوتيّة بعنوان:

[قول الحق للطّاغي]

للشيخ: أبي عياض التونسي

-حفظه الله-

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، والطريق الواضح، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتنكبها إلا ضال.

أوصيني -إخواني- وإياكم بتقوى الله؛ فإن خير ما أوصى به المؤمن إخوانه تقوى الله، حيث أمرنا في كتابه -بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ *} [آل عمران: 102] .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *} [النساء: 1] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71] .

ثم أما بعد؛

فالإنسان كرمه الله جل في علاه بالعقل، وأضاف إلى نعمة العقل نعمةَ إرسال الرسل، حتى يتمكن هذا العقل من الاسترشاد إلى طريق الله عز وجل؛ لأن الإنسان بهذا العقل وحده: قاصر على أن يحقق رسالته في الوجود؛ فلذلك منّ الله عليه بإرسال الأنبياء، وتشريع الشرائع، وإنزال الكتب، وقد خصّ الله سبحانه وتعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم تشريع وأعظم كتاب، وجعل دينها خاتمة الأديان، كما جعل نبيها خاتم الأنبياء والمرسلين.

ولما كان الأمر كذلك: كان لزامًا على كل عاقل، استعمل عقله من أجل تحقيق الهدف الذي من أجله خلقنا الله، مسترشدًا بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، متمسكًا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كان لزامًا عليه أن لا يزيغ به عقله عن التمسك بأسباب النجاة في الدنيا والآخرة؛ ألا وهو كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالعاقل العاقل: هو الذي يُخضع عقله لما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أن يجعل عقله فوق كتاب الله وفوق سنة رسوله صلى الله عليه وسلم!، لا أن يقدّم عقله على قول الله وعلى قول رسوله صلى الله عليه وسلم، من ظن ذلك فهو فاقد للعقل؛ لأن الله أمر العقلاء من أهل الإيمان فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [الحجرات: 1] ، فهذا أمر من الله جل في علاه، أن لا نقدّم عقولنا، أن لا نقدّم آراءنا، أن لا نقدّم ما يعنّ لنا: على قول الله وعلى قول رسوله صلى الله عليه وسلم.

لماذا قدّمتُ كلامي بهذه المقدمة؟

هناك ثلاثة محاور، أحب أن أتكلم فيها؛ لأبيّن أمر واقعنا الذي نحن بصدده الآن.

المحور الأول:

يتعلق برسالتنا نحن أهل التوحيد، وأهل الإسلام، وما المطلوب منا في هذا الواقع.

والمحور الثاني:

هو كشف بعض ما يُحاك للإسلام وأهله في هذه البلاد.

والمحور الثالث:

هو توضيح بعض المسائل التي يتساءل عنها أهل الإسلام، وخاصة روّاد المساجد، توضيحها حتى يتبيّن لنا جميعًا: ما هي دعوتنا.

أما الأمر الأول؛

فرسالتنا والمطلوب منا في هذه الأيام التي منّ الله بها علينا، بعد أن كان طاغوت هذه البلاد، رأس النظام السابق، جاثمًا على صدور أبناء هذا الشعب الكريم، هذا الشعب المسلم، بعد أن منّ الله علينا بزوال لا أقول: ملكه، ولكن: زوال كرسيه؛ لأن ملكه وإرثه ما زال ثابتًا، بل متجذرًا في هذه الأرض، وما زال أتباعه وعبيده وجنده: يحاولون أن يعيدوا الأمر إلى ما كان عليه.

رسالتنا في هذا الوضع: تتطلب منا اليقظة والحذر، ومعرفة كسب قلوب الناس، كسب قلوب هذا الشعب الكريم، هذا الشعب المسلم، الذي لم يعد يعرف من إسلامه إلا اسمه، ولم يعد يعرف من نبيه صلى الله عليه وسلم: إلا ما يُسمى بالمولد، ولا يعرف من الكتاب والقرآن: إلا أن يُتلى في الجنائز، ولا يعرف من السنة أكاد أقول شيئًا؛ لأن هذا الشعب لما خرج إليه هذا الشباب المتمسك بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم من اعفاء اللّحى ولبس القمصان، لما خرج عليه: استغربه، واستنكره، بل ونفر منه!

لماذا؟

لأنه لم يعد يعرف من الإسلام شيئًا، الإسلام عنده: هو مجرد انتماء، مجرد وراثة، مجرد اسم، هذا الشعب في حقيقته: هو محب لدينه، لكنه لا يعرف حقيقة هذا الدين.

فرسالتنا إلى هذا الشعب: هي أن نخرج إليه، أن نبيّن له أصوله، هذا الشعب ليس منقطعًا عن الإسلام، ليس منقطعًا عن تاريخ هذا الدين العظيم، الذي ضحى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أجل إبلاغه إليه؛ ضحوا بهجر ديارهم، وأهاليهم وأموالهم، وقطعوا آلاف الأميال، قطعوا الصحاري والبراري والبحور؛ من أجل أن يأتوا إلى هذه الأرض، ليخرجوا أبناء هذه الأرض من ظلمات الكفر ومن ظلمات عبادة العباد، إلى نور التوحيد، إلى نور الإسلام، فهذا الشعب تاريخه متعلق بهذا الإسلام، متعلق بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، لكن مُورس عليه خلال الحقبة الماضية، بل منذ قرون: مُورس عليه سياسة تجهيل وإبعاد عن دينه، حتى غاب عنه المفهوم الصحيح لهذا الدين، فصار هذا الشباب، الذي عاد إلى الدين واستمسك به، صار غريبًا بين هذا الشعب، الذي هو في حقيقته يحب الإسلام.

فرسالتنا: هي الخروج إلى هذا الشعب، دعوته إلى الإسلام، دحض كل الافتراءات التي تُلصق بشباب الإسلام، والشائعات التي تحاك ضده؛ من أجل تنفير شعبنا منا، من أجل تشويهنا، من أجل غاية واحدة؛ وهي: أن يبقى الحال كما كان عليه، وهو بُعد هذا الشعب عن الفهم الصحيح لهذا الدين.

لماذا؟ لأن ببعد هذا الشعب عن الدين: تبقى مصالح أذناب الغرب، أذناب أمريكا وأوربا، أذناب فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، مصالحهم لا يمكن أن تبقى إلا ببُعد هذا الشعب عن الإسلام، فعلينا نحن أهل الإسلام أهل التوحيد، الذين عرفنا حقيقة المنهج، وسلكنا هذه الطريق الواضح ليلها كنهارها، علينا أن نخرج بهذا الصفاء الذي علمناه، بهذا الشعب؛ من أجل أن نزيل تلك الغشاوة عن عينيه، فو الله إن غالبية هذا الشعب تحب الإسلام، وتحب التمسك بالدين، لكنها في حيرة: مَن تتبع؟ أيَّ طريق تسلك؟ وآلة الإعلام، وآلة التشويه، وآلة الحرب على الإسلام وأهله: تؤثر فيه؛ لأنه صباح مساء يُمارس عليه سياسة التخويف من هذا الشباب.

هذا يجعلنا نتساءل: كيف سنواجه هذا الشعب بالحقيقة المغيّبة عنه؟

قلتُ: إن أعظم ما نملكه للخروج إلى هذا الشعب، من أجل دحض كل الافتراءات، ومن أجل تنوير طريقه بالعودة إلى الكتاب والسنة، إن أعظم ما نملكه إضافة إلى التوحيد -الذي هو أصل الأمر-: هو حسن الخلق، الأخلاق التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الأخلاق ذهبت بكل الدين) ، حسن الخلق الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا) .

الشعب الذي تشبّع بما يحيكه أعداء هذا الدين لمدة عقود، حتى صار ينفر منا، لا يمكن أن نكسبه إلا بالمعاملة الطيبة، التي قالت فيها عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها:"كان خلقه القرآن"، فنحن الذين ندّعي بأننا أنصار للشريعة، وأننا أنصار لدين الله: يجب علينا أن نمتثل معنى نصر الشريعة، معنى نصر دين الله سبحانه وتعالى، كيف يتم ذلك؟

لا يمكن أن يتم ذلك إلا باقتفاء خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الشعب إذا سمع منك الكلمة الطيبة، ورأى منك الابتسامة والبشر في وجهه، ورأى منك حسن المعاملة، ورأى منك الوفاء بالوعود، ورأى منك الإكرام، ورأى منك البذل والعطاء، ورأى منك المكارم التي فُقدت إلا قليلاً: فإنه بإذن الله سيكون ظهرك والدافع للشر عنك، حتى وإن زيّن له المُنصّبُون الجدد، من أذيال أمريكا وأذيال النظام السابق، إن زينوا له ما يريدون تزيينه لصالحهم، وإن أثّروا عليه بالشائعات: فلا يمكن أن تصوِّر لهذا الشعب حقيقتك، وأن تدحض كل الشائعات عنك: إلا بسلوكك، سلوكك: هو الميزان الحقيقي لنجاح دعوتك.

إذًا؛ الحقيقة أن الكثير من الأفكار تناثرت من ذهني، ولكن سأقف عند مسألة الخلق، لأنتقل إلى ما كنتُ أن أتحدث به، عما يُحاك لأهل الإسلام، ويُحاك لأهل هذه الأرض الطيبة، هذا البلد الذي هويته كما يقولون تعود إلى إليسا وإلى غيرها، والحقيقة أن هويته إسلامية لا غير؛ لأنه بدخول الإسلام، الإسلام لا يعترف بما دونه، لا يعترف الإسلام لمَن دخل فيه بغير الإسلام، فهذا الشعب دخل بالإسلام أجداده وآباؤه، فصاروا مسلمين، وصار انتماؤهم لزومًا إلى الإسلام، لا إلى ما قبله ممن كانوا يحكمون هذه البلاد وهم على غير الإسلام، هؤلاء المُنَصّبُون الجدد، الذين يحكمون اليوم، وإن كان في الظاهر أسماء تلوح، ولكن في الحقيقة وراء الكواليس هناك أخطبوط جاثم على كل مقدّرات هذه البلاد، يقول الله عز وجل في كتابه: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ *} [المائدة: 50] ، وقف عند هذه الكلمة؛ قال: {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، ولم يقل: لقوم يؤمنون، أو: قوم يسلمون، قال: {يُوقِنُونَ} ؛ لأن درجة اليقين لا يبلغها أي إنسان، درجة اليقين: درجة راقية، تحتاج منا أن نصعد درجات في الإيمان؛ حتى نبلغ درجة اليقين، التي هي درجة التسليم الكلّي لأمر الله سبحانه وتعالى، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} ، الله لا يتكلم عن الكفار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، والقاعدة تقول:"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، الآية تتكلم إلى قيام الساعة؛ كل مَن لم يُرِد حكم الله سبحانه وتعالى فهو لزومًا داخل في حكم الجاهلية، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ؛ لأن اليقين الصفوة من أهل الإسلام هم الذين يبلغونه، فإذا أردتَ أن تكون من أهل اليقين: فعليك ألا ترضى بحكم إلا بحكم الله جل في علاه.

هذه الآية مرتبطة بآيات قبلها وآية بعدها، سأسرد بعض الآيات بعدها؛ قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *} ، [المائدة: 50 - 51] ، تفكروا في هذه الآيات، وانظروا إلى حال هؤلاء، الذين يريدون أن يحكّموا شرع"جان جاك روسو"، وشرع اليونان والإفرنج في أرض الإسلام، هؤلاء الله حذرنا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، نادانا بأعظم صفة نتّصف بها؛ وهي صفة الإيمان، الإيمان بالله، الذي يستلزم أن تكون عبدًا لله، لا تقبل عن غير الله وغير رسوله صلى الله عليه وسلم، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء} ، هنا: نحن في الأصل مطالَبون بأن لا نتخذ الكفار عامة أولياء، ولكنه خصص في هذه الآية: أن لا نتخذ اليهود والنصارى.

وسبحان الله؛ الله كم فرض علينا في الصلاة؟! إذ فرض علينا في الصلاة أن نتبرأ من سبيل اليهود والنصارى في كل ركعة، نقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] .

جاء في الحديث الصحيح؛ المغضوب عليهم: اليهود، وهم الأمة الغضبيّة كما قال أئمتنا، والضالون: النصارى، هكذا جاء في الحديث، خصصهم، فأنت في كل صلاة تسأل الله أن تكون من الذين أنعم الله عليهم؛ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وتسأل الله أن يجنّبك صراط المغضوب عليهم وصراط الضالّين، وفي هذه الآية يذكّرك الله سبحانه وتعالى بما تقرأ به في كلّ ركعة من صلاتك في ليلك ونهارك، يذكّرك بأن لا تتّخذ سبيل هؤلاء، أن لا تتّخذ اليهود والنّصارى أولياء؛ تستورد منهم الأحكام، وتستورد منهم القوانين لتحكم بها أهل الإسلام، انظروا إلى هذا التهديد وإلى هذا الوعيد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَ ى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] .

ألا ترون هذا الواقع؟ أليس النّصارى هم خدّام اليهود في هذه الأرض؟ أليس اليهود هم أولياء النّصارى يستعملونهم من أجل للسيطرة على هذه الأرض؟ -أقول الأرض أي الكرة الأرضيّة كلّها وليس هذا البلد فقط- {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ثمّ {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} ، انظروا إلى التحذير: من ينصرهم، من يتّخذهم أولياء وأحبابًا من دون المؤمنين {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] ؛ لا نصيب له من الإسلام، لا نصيب له من الإيمان، لا نصيب له من الدين، {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} ؛ احذروا من يتولّى اليهود والنّصارى، من يستورد أنظمتهم، الآية في الأوّل: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة:50] ، لا تنسوا اربطوا الآيات ببعضها: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 50] .

أيّها المؤمن، أيّها المسلم، يا من تدّعي أنّك من أتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم؛

إنّك إن اتّخذت هؤلاء أولياء من دون المسلمين فأنت وليّ لهم، فأنت منهم، فأنت كما قال أئمّة التفسير خارج من ملّة الإسلام، والقرآن يفسّر بعضه ببعض لأنّك لو تتبّعت بعدها الآيات لعرفت قيمة التحذير.

قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 50] ، وأيّ ظلم وأيّ جرم يرتكبه المسلم في حقّ نفسه بأن يترك ولاية أهل الإسلام إلى ولاية أهل الكفر والعصيان؟!

ولاية أهل التوحيد إلى ولاية اليهود والنّصارى.

أيّ ظلم أعظم من هذا الظلم؟!

فالله لا يهدي القوم الظالمين؛ الذين ظلموا أنفسهم بأن تركوا ولاية أحباب الله إلى ولاية أعداء الله.

{فَتَرَ ى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَ ضٌ يُسَارِ عُونَ فِيهِمْ} [المائدة: 52] ؛ لمّا وقعت أحداث (11) سبتمبر ماذا فعل حكّام بلاد المسلمين؟

ألم يسارعوا إلى البيت الأسود يقدّمون له النصائح والولاء، ويطرحون عليهم المشاريع التي تجتثّ الإسلام من الأرض، {فَتَرَ ى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَ ضٌ يُسَارِ عُونَ فِيهِمْ} لماذا؟ {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَ ةٌ} [المائدة: 52] ، يخافون أن تدور عليهم الدائرة، ولذلك إمامهم وإلاههم بوش قال:"من ليس معنا فهو ضدّنا"، فكلّهم ذهبوا يقبّلون أقدامه، هؤلاء غابوا عن أمّة الإسلام؟ لازالوا اليوم يحكمون بلاد الإسلام ويحكمون هذه الأرض.

وإلّا فماذا يفعل هذا السبسيّ في قمّة الثمانية؟

ما هي المخطّطات التي تحاك في السفارة الأمريكية هنا ضدّ الإسلام وأهله؟

ما هي المؤامرات التي تدبّر بكلّ ليل، وبكلّ نهار من مخابرات جميع الدّول على هذه الأرض؟

بل أكاد أجزم أنّ بعضهم متواجد معنا فأرجو أن لا يحمرّ وجهه.

ماذا يفعل هؤلاء؟ {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَ ةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} [المائدة: 52] ، -سبحان الله- وكلّ (عسى) في القرآن كما قال حبر الأمّة ابن عبّاس -رضي الله عنهما-:"كلّ عسى محقّقة"، متحقّقة، فهذه بداية الفتح، لكنّه يمكر بهذا الفتح. {فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّ وا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 52] ، {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَاؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} [المائدة: 53] .

في كلّ مناسبة دينيّة الطاغوت يتكلّم باسم الإسلام، ونحن حماة الدّين، والراعي لشؤون الدّين في هذه البلاد، ولدينا وزارة وعليها وزير ولدينا -مفتري- مفتي وهكذا.

{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَاؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِ ينَ} [المائدة: 53] .

انظروا بعدها حتّى تعرفوا أنّ موالاة اليهود والنّصارى واستيراد أنظمتهم إلى ديار الإسلام هو كفر مخرج من الملّة، انظروا إلى هذه الآية التي فيها تهديد لأهل الإيمان إن تولّوهم ماذا سيفعل الله بهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْ تَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} -نسأل الله أن نكون منهم- {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 53] .

انظروا رحمة الله سبحانه وتعالى بهؤلاء أن سبّق حبّه لهم، انظروا إلى عظيم رحمة الله بأهل الإيمان فلماذا نتخلّف أن نكون من غيرهم، فلماذا نتخلّف عنهم والله قد جعل حبّه سابقًا لحبّهم له، {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ؛ حبّ متبادل.

ماهي صفتهم؟

{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، انظروا إلى هؤلاء الطواغيت، الذين يدافع عنهم أهل الإرجاء ويسمّونهم ولاة أمور، انظروا إلى ذلّة ولاة الأمور مع الأطفال والنساء في الاعتصامات، لا أقول مع الشباب، لا أقول مع الرّجال، انظروا إلى تلك المرأة قبل أسبوعين في الاعتصام في تونس ما هي الذلّة لأولياء الأمر في هذا البلد معها.

أولياء أمور! ما شاء الله، قال:"عليك بالطاعة وإن جلد ظهرك وأكل مالك"، ما شاء الله، ولو يأخذ الطاغوت ماله ليكون أوّل من يثور في وجهه، يثور في وجهه لماذا؟ ليس غضبة لدين الله ولكن غضبة لنفسه، لأنّ آخر ما يفكّر فيه هؤلاء المرجئة هو دين الله، آخر ما يفكّرون فيه أن يعزّوا دين الله، آخر ما يفكّرون فيه، يقولون عنّا خوارج، ويقولون عنّا تكفيريون ويقولون، ويقولون.

والله أنا أرفع من قدرهم إن تكلّمت عنهم، لأنّ أبسط إنسان عاميّ حتّى لا يصلّي في هذا الشعب لمّا يسمع منهم أنّ السبسي وليّ أمر، أو بن علي سابقًا وليّ أمر الأمّة في هذه البلاد لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا، فضلا عن مسلم أكرمه الله بالعقل الذي قدّمت به كلامي.

هؤلاء جعلوا عقولهم تحت أحذيتهم، يريدون إسلامًا بغير تكليف، إسلاما بغير بذل، إسلاما بغير عطاء والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} [البقرة: 55] ، الابتلاء سنّة قدريّة كتبها الله على أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت