يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 21، 22] .
لقد أُعدم سيد قطب عام 66 وكان قاتله جمال عبد الناصر يتبجّح بأنه يقاتل إسرائيل وأنه سيرمي بها في البحر، فما دار العام إلا وجاءت نكسة حزيران عام 67. وقد أقدم سياد بري في الصومال على قتل وسحل العلماء فما لبث بعدها إلا سنوات قليلة ودارت عليه الدائرة وهرب من بلاده عام واحد وتسعين. والشواهد في التاريخ أكثر من أن تُحصر. عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن الله -عزَّ وجلَّ- يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] ) رواه البخاري.
ويقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 4، 5] . ويقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 16، 17] .
والأمر الثاني الذي ركن النظام إليه ودفعه لارتكاب هذه المجزرة المروّعة بحق العلماء والمجاهدين هو: الخضوع التام من قبل العلماء ورؤوس الناس ووجهاء البلد، فلم يعد بمقدور أحد أن ينكر على النظام، ومن تجرّأ على شيء من ذلك ولو كان بالتلميح أو الإشارة فمصيره السجن والتنكيل والأذى والابتلاء. وقد كُممت أفواه الصادقين، وكُبّلت كل خطوات العقلاء، وتسلّط زبانية وزارة الداخلية على كل من ينبس [1] ببنت شفة في نصح النظام أو الإنكار عليه.
فباتت بلاد الحرمين ومهبط الوحي تكتم أحزانها وأطراحها وتعيش حالة مأساوية ليس لها مثيل في تاريخها. نعم ندرك أن هناك من الصادقين ومن العقلاء ومن أهل الرأي والعلم من ينكر أفعال ومنكرات وجرائم هذا
(1) نبَس بكلام: تكلّم أقلَّ الكلام، تحرّكت شفتاه بشيءٍ، وأكثر ما يُستعمل في النفي
مَا نَبَسَ بِكَلِمَةٍ: لَمْ تَصْدُرُ عَنْهُ أَدْنَى كَلِمَةٍ (معجم المعاني) .