١٠٧ - حدثني محمد، قال: حدثنا يونس بن يحيى الأموي, أبو نباتة، قال: حدثني الحجاج بن صفوان بن أبي يزيد، قال: حدثني رجل من أهل المدينة، عن أبيه, أنه قدم مع محمد بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز, قال: وكان فيما ذاكرنا به عمر, أن قال لمحمد: يا أبا حمزة, ما ضر أخاك بسر بن سعيد التقلل والانقطاع الذي كان فيه؟ قال: ثم بكى بكاء شديدا، حتى قلت: الآن يسقط, ثم قال: أما والله لئن كان بسر صبر على القلة والعبادة، لقد صبر على معرفة وعلم بما صبر عليه.
١٠٨ - حدثني محمد، قال: حدثنا خلف بن تميم، قال: حدثنا أبو رجاء الهروي، عن أبي بكر الهذلي، قال: رأيت الحجاج يخطب على المنبر، فسمعته يقول: يا أيها الناس, إنكم غدا موقوفون بين يدي الله، ومسئولون، فليتق الله امرؤ، ولينظر ما يعد لذلك الموقف؛ فإنه موقف يخسر فيه المبطلون، وتذهل فيه العقول، ويرجع الأمر فيه إلى الله؛ لتجزى كل نفس بما كسبت، إن الله سريع الحساب، بادروا آجالكم بأعمالكم, قبل أن تخترموا دون آمالكم, ثم نحب وهو على المنبر، فرأيت دموعه تنحدر على لحيته.
١٠٩ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد، قال: خطبنا الحجاج فقال: ابن آدم, أنت اليوم تأكل, وغدا تؤكل, ثم تلا: {كل نفس ذائقة الموت} ثم بكى، حتى جعل يتلقى دموعه بعمامته.
١١٠ - قال أبو بكر: وأما أبو كريب فقال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد، قال: سمعت الحجاج يخطب يوما وهو على المنبر يقول: يا ابن آدم, بينما أنت في دارك وقرارك، إذ تسور عليك عبد يدعى ملك الموت، فوضع يده من جسدك موضعا، فذل له، فاختلس روحك، فأخذه، فذهب به, ثم قام إليك أهلك، فغسلوك وكفنوك، ثم حملوك إلى قبرك, فدفنوك، ثم رجعوا، فاختصم فيك حبيباك: حبيبك من أهلك, وحبيبك من مالك, فاتق الله؛ فإنك اليوم تأكل, وغدا تؤكل, قال أبو سعد: ثم نعر نعرة، فظننت أنه الموت به, ثم نظرت إلى عينيه تسكبان، حتى نظرت إليه يتلقى دموعه بعمامته، ثم ينزل، فيفتل, قال: وصعد المنبر، فاستسقى، وقد استسقى قبل, قال: فلما كان في ذلك اليوم استسقى، فلا والله ما نزل عن المنبر حتى مطر, فاستقبل القبلة وصلى، وسقط رداؤه, قال: وبكى لما أجيب، ثم أقبل بوجهه, فقال: أيها الناس، إن العبد يسأل ربه الحاجة, وطلبها إليه، ومن أمر ربه أن يجيبه فيها، فيطول الله عليه؛ ليكون إذا أعطاها إياه أشد لشكره، وإني أقسمت عليكم بالله لما صمتم شكرا ثلاثا، ثم خرج.