فهرس الكتاب

الصفحة 1347 من 6230

[سورة آل عمران (3) : الآيات 35 الى 37]

إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37)

وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ قِصَصًا كَثِيرَةً:

الْقِصَّةُ الْأُولَى وَاقِعَةُ حَنَّةَ أُمِّ مريم عليهما السلام

[في قوله تعالى إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا] وَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي مَوْضِعِ إِذْ مِنَ الْإِعْرَابِ أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّهَا زَائِدَةٌ لَغْوًا، وَالْمَعْنَى: قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ، وَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَصْنَعْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ حَرْفٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةً وَالثَّانِي: قَالَ الْأَخْفَشُ وَالْمُبَرِّدُ:

التَّقْدِيرُ اذْكُرْ إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَثِيرٌ الثَّالِثُ: قَالَ الزَّجَّاجُ، التَّقْدِيرُ: وَاصْطَفَى آلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ، وَطَعَنَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ اصْطِفَاءَ آلِ عِمْرَانَ بِاصْطِفَاءِ آدَمَ وَنُوحٍ، وَلَمَّا كَانَ اصْطِفَاؤُهُ تَعَالَى آدَمَ وَنُوحًا قَبْلَ قَوْلِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ اسْتَحَالَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا الِاصْطِفَاءَ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ أَثَرَ اصْطِفَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ إِنَّمَا ظَهَرَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَظُهُورِ طَاعَاتِهِ، فَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ عِنْدَ وجوده، ونوحًا عند وجوده، وآل عمران عند ما قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ هَذَا الْكَلَامَ الرَّابِعُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاللَّهُ سميع عليم إذا قَالَتِ امْرَأَةُ/ عِمْرَانَ هَذَا الْقَوْلَ.

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قَبْلَ أَنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ هَذَا الْقَوْلَ، فَمَا مَعْنَى هَذَا التَّقْيِيدِ؟

قُلْنَا: إِنَّ سَمْعَهُ تَعَالَى لِذَلِكَ الْكَلَامِ مُقَيَّدٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَعِلْمُهُ تَعَالَى بِأَنَّهَا تَذْكُرُ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِذِكْرِهَا لِذَلِكَ وَالتَّغَيُّرُ فِي الْعِلْمِ وَالسَّمْعِ إِنَّمَا يَقَعُ فِي النِّسَبِ وَالْمُتَعَلِّقَاتِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ زَكَرِيَّا بْنَ آذَنَ، وَعِمْرَانَ بْنَ مَاثَانَ، كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَامْرَأَةُ عِمْرَانَ حَنَّةُ بِنْتُ فَاقُوذَ، وَقَدْ تَزَوَّجَ زَكَرِيَّا بِابْنَتِهِ إِيشَاعَ أُخْتِ مَرْيَمَ، وَكَانَ يَحْيَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ابْنَيْ خَالَةٍ، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا النَّذْرِ رِوَايَاتٌ:

الرِّوَايَةُ الْأُولَى: قَالَ عِكْرِمَةُ. إِنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا لَا تَلِدُ، وَكَانَتْ تَغْبِطُ النِّسَاءَ بِالْأَوْلَادِ، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إِنْ رَزَقْتَنِي وَلَدًا أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَكُونَ مِنْ سَدَنَتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت