الصفحة 65 من 411

ربما كانت الرحلة القصيرة التي اجتاز بها السياب شط العرب أول تمرس عملي بالطبيعة يتجاوز حد النظر والتأمل إلى المغامرة والسير في المجهول ومعاناة الاعتماد على النفس في استطلاع جانب من الطبيعة قد يكون شيئا مختلفا عن الظلال الساجية والتعاشيب الخضيرة وتدلي القطوف. ولكن ماذا كان رد الفعل المباشر لتلك المغامرة الصغيرة؟ لم يكن شيئا سوى تمثل الموت، إلا أن الشاعر خشي ان يسترسل في هذه الناحية وهو يتحدث عنها إلى صديقه وبتر الحديث قبل تمامه. وحقيق به أن يفعل ذلك، لا لان هذا النوع من الاعتراف قد يثير الضحك من المغالاة حين يقرن المرء بين ضآلة المغامرة وضخامة التصور وحسب، بل لأن الشاعر كان يقضي صيفا مليئا بالعافية والحيوية والنشاط، صيفا لا تعكر صفوه ذكريات بغداد ولا ضياع الحب الريفي، وإنما يستمد وقدة لكيفة اللهب من الحنين الداخلي العميق، صيفا يتغلب فيه الوعي الخارجي على كل رواسب الباطن، وتسيطر فيه الحركة العقلية على أي جيشان عاطفي. ولهذا وجدنا أن قصيدتيه في ذات المنديل الأحمر صدرتا باهتتين حافلتين بوعي يجعلهما لوحتين ضعيفتي النبض بالحياة. وكان بدر لو يدرك أبعاد حالة النفسية جديرا بالراحة، والعزوف مؤقتا عن قول الشعر، ولكنه كان يخشى جفوة الإلهام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت