وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْحُقُوقُ لِلاشْتِرَاكِ فِي الإِسْلامِ فَكُلَّمَا زَادَتِ الْمُخَالَطَةُ وَصَفَا زَادَتِ الْحُقُوقُ، مِثْلُ الْقَرَابَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ وَالضِّيَافَةِ وَالصُّحْبَةِ وَالصَّدَاقَةِ وَالأُخُوَّةِ الْخَاصَّةِ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَأَمَّا حَقُّ الْقَرَابَةِ: فَمَعْلُومٌ: وُجُوبُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَتَقْدِيمُ الأُمِّ فِي الْبِرِّ وَوُجُوبُ صِلَةِ الرَّحِمِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوسِعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ وَيَنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"."
وَأَمَّا حَقُّ الْجَارِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".
وَأَمَّا حَقُّ الضَّيْفِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ".
وَأَمَّا حَقُّ الصُّحْبَةِ فَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْدِمَهُ فَكَانَ يَخْدِمُنِي أَكْثَرَ
وَأَمَّا حَقُّ الصَّدَاقَةِ فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الأُخُوَّةِ، فَالأُخُوَّةُ هِيَ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ الأُخُوَّةُ الصَّادِقَةُ إِذَا حَصَلَ التَّشَاكُلُ بَيْنَ الأَخَوَيْنِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ".
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: الإِخْبَارُ عَنْ مَبْدَإِ كَوْنِ الأَرْوَاحِ وَتَقَدُّمِهَا الأَجْسَادَ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الأَرْوَاحَ قَبْلَ الأَجْسَادِ بِكَذَا وَكَذَا، فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا خُلِقَتْ عَلَى ائْتِلافٍ وَاخْتِلافٍ فَتَأْتَلِفُ الأَجْسَادُ فِي الدُّنْيَا وَتَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ فِي مَبْدَإِ الْخِلْقَةِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَرْوَاحَ لَيْسَتْ بِأَعْرَاضٍ وَأَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأَجْسَادِ، وَأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ الأَجْسَادِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ