فهرس الكتاب
قال ابن حزم:"هذا حديث ساقط، لم يروه أحد من غير هذا الطريق، و أول سقوطه أنه عن قوم مجهولين، لم يسموا، فلا حجة فيمن لا يعرف من هو؟ و فيه الحارث بن عمرو، و هو مجهول لا يعرف من هو؟ و لم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه". وقال في موضع آخر بعد أن نقل قول البخاري فيه:"لا يصح"."و هذا حديث باطل لا أصل له". و قال الحافظ في"التلخيص" (ص 401) عقب قول البخاري المذكور وقال الدارقطني في"العلل": رواه شعبة عن أبي عون هكذا. و أرسله ابن مهدي و جماعات عنه. و المرسل أصح. قال أبو داود (يعني الطيالسي) : و أكثر ما كان يحدثنا شعبة عن أصحاب معاذ أن رسول الله. و قال مرة: عن معاذ. و قال ابن حزم:"لا يصح لأن الحارث مجهول، و شيوخه لا يعرفون، قال: و ادعى بعضهم فيه التواتر، و هذا كذب، بل هو ضد التواتر، لأنه ما رواه أحد غير أبي عون عن الحارث، فكيف يكون متواترا؟!". و قال عبد الحق:"لا يسند، و لا يوجد من وجه صحيح". و قال ابن الجوزي في"العلل المتناهية":"لا يصح و إن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم و يعتمدون عليه، و إن كان معناه صحيحا". وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد، في الكلام على هذا الحديث:"اعلم أنني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار و الصغار، و سألت عنه من لقيته من أهل العلم بالنقل، فلم أجد غير طريقين: أحدهما: طريق شعبة. و الأخرى: عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ و كلاهما لا يصح. قال: وأقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين في كتاب"أصول الفقه":"و العمدة في هذا الباب على حديث معاذ"قال:"و هذه زلة منه، و لو كان عالما بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة"، (قال الحافظ رحمه الله تعالى) :"قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، و كان يمكنه أن يعبر بألين من هذه العبارة مع كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه! فإنه قال:"و الحديث مدون في"الصحاح"متفق على صحته (!) لا يتطرق إليه التأويل". كذا قال رحمه الله، و قد أخرجه الخطيب في كتاب"الفقيه و المتفقه"من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل، فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتا لكان كافيا في صحة الحديث". قلت: لم يخرجه الخطيب، بل علقه (ص 189) بقوله:"و قد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. و هذا إسناد متصل و رجاله معروفون بالثقة". قلت: وهيهات، فإن في السند إليه كذابا وضاعا، فقد أورده ابن القيم في"تهذيب السنن"تعليقا على هذا الحديث فقال (5/ 213) :"وقد أخرجه ابن ماجه في"سننه"من حديث يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم: حدثنا معاذ بن جبل قال:"لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: لا تقضين و لا تفصلن إلا بما تعلم، و إن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه، أو تكتب إلي فيه". و هذا أجود إسنادا من الأول، و لا ذكر للرأي فيه". قلت: كيف يكون أجود إسنادا من الأول و فيه محمد بن سعيد بن حسان و هو الدمشقي المصلوب؟! قال في"التقريب":"قال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث، و قال أحمد: قتله المنصور على الزندقة و صلبه". و قد سبق نحوه (ص 244) عن غيره من الأئمة. قلت: و لعله اشتبه على ابن القيم رحمه الله بمحمد بن سعيد بن حسان الحمصي، و ليس به، فإنه متأخر عن المصلوب، و لم يذكروا له رواية عن ابن نسي، و لا في الرواة عنه يحيى بن سعيد الأموي، و إنما ذكروا ذلك في الأول، على أنه مجهول كما قال الحافظ، و أيضا فإن هذا ليس من رجال ابن ماجه، و إنما ذكروه تمييزا بينه و بين الأول. و الحديث في"المقدمة"من سنن"ابن ماجه" (1/ 28) ، و قال البوصيري في"الزوائد" (ق 5/ 2) :"هذا إسناد ضعيف، محمد بن سعيد هو المصلوب اتهم بوضع الحديث". على أن قول ابن القيم:"و لا ذكر للرأي فيه". إنما هو بالنظر إلى لفظ رواية ابن ماجه، وإلا فقد أخرجه ابن عساكر في"تاريخه" (16/ 310 / 1) من طريق المصلوب هذا بلفظ:"قال معاذ: يا رسول الله: أرأيت ما سئلت عنه مما لم أجده في كتاب الله و لم أسمعه منك؟ قال: اجتهد رأيك
(يُتْبَعُ)