فهرس الكتاب
إلا من جهة واحد". الثاني: أنه خلاف ما جرى عليه أئمة الجرح و التعديل في تراجم المجهولين عينا، فقد عرفت مما سبق ذكره في ترجمة الحارث هذا أنه مجهول عند الحافظين الذهبي و العسقلاني و كفى بهما حجة، لاسيما و هما مسبوقون إلى ذلك من ابن حزم و غيره ممن ذكرهم الكوثري نفسه كما رأيت! و من الأمثلة الأخرى على ذلك ذهيل بن عوف بن شماخ التميمي أشار الذهبي إلى جهالته بقوله في"الميزان":"ما روى عنه سوى سليط بن عبد الله
الطهوي"و صرح بذلك الحافظ فقال في"التقريب":"مجهول من الثالثة". و من ذلك أيضا زريق بن سعيد بن عبد الرحمن المدني، أشار الذهبي أيضا إلى جهالته وقال الحافظ:"مجهول". و الأمثلة على ذلك تكثر، و فيما ذكرنا كفاية، فأنت ترى أن هؤلاء قد عرف اسم جد كل منهم، و مع ذلك حكموا عليهم بالجهالة. الثالث: قوله:"شعبة يقول عنه: إنه ابن أخي المغيرة بن شعبة". فأقول: ليس هذا من قول شعبة، و إنما هو من قول أبي العون كما مر في إسناد الحديث، و شعبة إنما هو راو عنه، و هو في هذه الحالة لا ينسب إليه قول ما جاء في روايته، حتى و لو صحت عنده لأنه قد يقول بخلاف ذلك، و لذلك جاء في علم المصطلح،"و عمل العالم و فتياه على وفق حديث رواه ليس حكما بصحته، و لا مخالفته قدح في صحته ولا في رواته". كذا في"تقريب النووي" (ص 209 بشرح التدريب) . و كأن الكوثري تعمد هذا التحريف و نسبة هذا القول لشعبة - و ليس له - ليقوي به دعوى كون الحارث بن عمرو هذا ابن أخي المغيرة، لأن أبا العون - و اسمه محمد بن عبيد الله ابن الثقفي الأعور و إن كان ثقة، فإنه لا يزيد على كونه راويا من رواة"
الحديث، و أما شعبة فإمام نقاد. على أننا لو سلمنا بأنه من قوله، فذلك مما لا يفيد الكوثري شيئا من رفع الجهالة كما سبق بيانه. 2 - قوله:"و لا مجهول الوصف من حيث أنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون ". فأقول: الجواب من وجهين: الأول: بطلان هذه الدعوى من أصلها، لأن شيوخ أبي عون ليسوا جميعا من كبار التابعين حتى يلحق بهم الحارث هذا، فإن من شيوخه أبا الزبير المكي و قد مات سنة (126) ، و لذلك جعله الحافظ من الطبقة الرابعة، و هم
الذين جل روايتهم عن كبار التابعين، و من شيوخه والده عبيد الله بن سعيد، ولا تعرف له وفاة، لكن ذكره ابن حبان في"أتباع التابعين"، و قال: يروي المقاطيع. قال الحافظ: فعلى هذا فحديثه عن المغيرة مرسل. يعني منقطع، ولذلك جعله في"التقريب"من الطبقة السادسة، و هم من صغار التابعين الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج. إذا عرفت هذا فادعاء أن الحارث بن
عمرو من كبار التابعين افتئات على العلم، و تخرص لا يصدر من مخلص، و الصواب أن يذكر ذلك على طريق الاحتمال، فيقال: يحتمل أنه من كبار التابعين، كما يحتمل أنه من صغارهم. فإن قيل: فأيهما الأرجح لديك؟ قلت: إذا كان لابد من اتباع أهل الاختصاص في هذا العلم، و ترك الاجتهاد فيما لا سبيل لأحد اليوم إليه، فهو أنه من صغار التابعين، فقد أورده الإمام البخاري في"التاريخ الصغير"في فصل"من مات ما بين المائة إلى العشرة" (ص 126 - هند) و أشار إلي حديثه هذا و قال:"و لا يعرف الحارث إلا بهذا، و لا يصح". و لذلك جعله الحافظ في"التقريب"من الطبقة السادسة التي لم يثبت لأصحابها لقاء أحد من الصحابة فقال:"مجهول، من السادسة". فإن قيل: ينافي هذا ما ذكره الكوثري (ص 62) أن لفظ شعبة في رواية علي بن الجعد قال: سمعت الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاذ بن جبل.
كما أخرجه ابن أبي خيثمة، في"تاريخه"و مثله في"جامع بيان العلم"لابن عبد البر. فهذا صريح في أنه لقي جمعا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو تابعي. فأقول: نعم والله إن هذه الرواية لتنافي ذلك أشد المنافاة، و لكن يقال للكوثري و أمثاله: أثبت العرش ثم انقش، فإنها رواية شاذة، تفرد بها علي بن الجعد مخالفا في ذلك لسائر الثقات الذين لم يذكروا رسول الله صلى الله عليه
(يُتْبَعُ)