وكانت مصر، في أواخر دولة المماليك، تعاني اضطرابا سياسيا واقتصاديا بسبب الخلافات الداخلية بين المماليك أنفسهم من جهة، وبسبب تحوّل التجارة إلى رأس الرجاء الصالح من جهة أخرى. فقد كانت موانئ مصر والشام على البحر المتوسط مراكز للتبادل التجاري بين أوربا وآسيا، كما كان التجار المصريون يقومون بتفريغ البضائع من البواخر الأوربية في ميناء الإسكندرية ونقلها إلى موانئ البحر الأحمر لتنقلها سفن أخرى من هناك إلى آسيا. وعندما اكتشف الأوربيون طريق رأس الرجاء الصالح وسلكوه ابتداء من عام 1497م ، أصاب الكسادُ التجارةَ المصرية وتضرر الاقتصاد (1) ، إضافة إلى أن سياسة الإقطاع التي كانت متبعة في العصر المملوكي والتي كان السلطان يقطع بموجبها مساحة من الأرض أو جزءا من موارد الدولة إلى أمير من الأمراء ألحقت بالقطاعين الزراعي والاجتماعي ضررا كبيرا. (2)
وعندما دخل العثمانيون مصر، بقي السلطان العثماني سليم في القاهرة ثمانية أشهر أشرف خلالها على وضع قواعد الحكم الجديد وسَنِّ بعض الأنظمة الإدارية. ولكنه أمر بنقل كثير من الكتب والنفائس والذخائر من جميع أنحاء مصر إلى عاصمته الإستانة، وأمر بجمع نحو ألفٍ من أمهر الصناعيين والحرفيين والفنانين ونقلهم إلى الإستانة كذلك. فتضررت الصناعات وتعرقلت التنمية في مصر. (3)
وإبان القرن الأول من الحكم العثماني، وهي الفترة التي عاش أثناءها القرافي، اضطربت الأحوال بسبب الصراع الذي كان قائما بين الوالي العثماني وبين الجنود العثمانيين، وكذلك بسبب الصراع الداخلي بين المماليك أنفسهم الذين احتفظوا بإقطاعاتهم وامتيازاتهم؛ فكانت القاهرة"مسرحا للشغب والقلاقل، والأحزاب المتصارعة في حروب داخلية مستمرة." (4)