فهرس الكتاب
الثاني وهو الذي هو رخصة حقيقة ولكن الأول أحق منه لكونه رخصة ما أباح الشارع فعله مع قيام الدليل المحرم دون حكمه الذي هو الحرمة وذلك كإفطار المسافر في رمضان فأن المحرم للإفطار وهو الدليل الذي أوجب الصوم عند شهود الشهر قائم لكن حرمة الإفطار غير قائمة لأن الشارع رخص في الإفطار لعذر السفر بناء على أن سبب وجوب الصوم تراخي حكمه لقوله تعالى «فعدة من أيام أخر» والأخذ بالعزيمة أولى من الرخصة لقيام دليلها ألا أن يضعفه الصوم فيكون الأخذ بالرخصة والإفطار أولى والمراد بالإباحة في هذين النوعين تجويز الفعل أعم من إن يكون بطريق التساوي أو بدونه فيشمل الواجب والمندوب وخلاف الأولى والمباح والمراد من الحرمة التي تقابل الإباحة فيهما ما هي اعم من إن تكون في جانب الفعل أن في جانب الترك فيشمل الحرام والفرض والواجب أيضًا فلا يكون بين حصر الرخصة الحقيقية في النوعين المذكورين وبين جعل العزيمة التي تقابلها شاملة للإحكام الخمسة منافاة ويدل لأن هذا هو مرادهم ما ذكروه وذكرناه في القسمين من الأمثلة، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادات المفروضة كالصلوات الخمس والإيمان واجبة الفعل محرمة الترك وكذا صوم المسافر بالنظر إلى قيام سبب الوجوب وأجب الفعل محرم الترك لكن تراخي وجوبه فتراخت حرمة الترك ومرادنا بكون العزيمة تشمل الأحكام الخمسة إنها تشملها في ذاتها فلا ينافي إنها مقابلة هذين النوعين من الرخصة منحصرة في الفرص والواجب والحرام وذلك لأن الأخذ بالعزيمة فيهما وبذل نفسه أولى وذلك لا يتصور في ترك السنة حالة الخوف أو ترك الجماعة حالة المطر ونحو ذلك ومن هذا يعلم أننا لو حملنا ما جزم به الغزالي في المستصفى والآمدي في كتابيه الأحكام ومنهي السول وابن الحاجب في كبيره من أن العزيمة تختص بالواجب على أن المراد بالعزيمة ما يقابل الرخصة ويكون الأخذ فيه بالعزيمة أولى من الرخصة وأردنا بالواجب في كلام هؤلاء الأئمة