فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 414

نعم فريق الحنفية بين نفس الوجوب وبين وجوب الأداء فقالوا أن نفس الوجوب عبارة عن شغل ذمة المكلف وأن ذلك يتحقق بمجرد انعقاد سبب الوجوب بناء على خطاب الوضع وأن وجوب الأداء الذي يتصف الفعل فيه بالوقوع حقيقة ونفرغ به الذمة مما شغلها أو يتحتم فيه الوقوع هو أثر خطاب التكليف وبناء على هذا الفرق لم يعينوا جزءا من أجزاء الوقت يتحقق فيه وجوب الأداء ويتعلق فيه خطاب التكليف بطلب تفريغ الذمة مما شغلها إلا الجزء الأخير الذي يسع الواجب فقط فقالوا كل جزء يتصل به الأداء ويقع فيه الفعل من الوقت هو وقت الأداء ويتعلق خطاب التكليف فيه فإذا تضيق الوقت ولم يبق منه إلا الجزء الذي يسع الواجب فقط ولم يفعله قبله تعلين ذلك بنفسه حينئذ وقتا للأداء بمعنى تفريغ الذمة فكان ما يسميه الشافعية وجوب أداء موسع هو الذي يسميه الحنيفة نفس الوجوب بمعنى شغل الذمة والذي سماه الحنفية وجوب أداء هو وجوب تفريغها مما شغلها بالفعل بمعنى أن ذمة المكلف لا تصير فارغة مما شغلها إلا في وقت الإتيان بالواجب امتثالا وهذا لا يخالف فيها أحد فلذلك صرح السعد في التلويح وغيره أن الخلاف بين أكثر الحنفية الذين فرقوا بين الوجوبين وبين أكثر الشافعية الذين لم يفرقوا خلاف في التعبير فقط وأن ما سماه أكثر الحنفية وجوبا بمعنى شغل الذمة وجعلوه مغايرا لوجوب الأداء هو ما سماه أكثر الشافعية وجوب أداء موسعا والكل متفقون في أن المكلف لو أخر الفعل عن أول الوقت لا يعصي متى فعل الواجب في أي جزء من أجزاء الوقت ولا يكون عاصيا إلا إذا أخرج فعل الواجب عن جميع أجزاء الوقت فكل من الحنفية والشافعية قائلون بمقتضى نصوص الكتاب والسنة في هذه المسألة ولو أن الذين نقلوا الخلاف بين هؤلاء الأئمة تحروا في النقل وتحققوا من تلك المذاهب لما وجدوا بين أصحابها خلافا يستحق القال والقيل وتشنيع كل على الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت