فهرس الكتاب
نعم فريق الحنفية بين نفس الوجوب وبين وجوب الأداء فقالوا أن نفس الوجوب عبارة عن شغل ذمة المكلف وأن ذلك يتحقق بمجرد انعقاد سبب الوجوب بناء على خطاب الوضع وأن وجوب الأداء الذي يتصف الفعل فيه بالوقوع حقيقة ونفرغ به الذمة مما شغلها أو يتحتم فيه الوقوع هو أثر خطاب التكليف وبناء على هذا الفرق لم يعينوا جزءا من أجزاء الوقت يتحقق فيه وجوب الأداء ويتعلق فيه خطاب التكليف بطلب تفريغ الذمة مما شغلها إلا الجزء الأخير الذي يسع الواجب فقط فقالوا كل جزء يتصل به الأداء ويقع فيه الفعل من الوقت هو وقت الأداء ويتعلق خطاب التكليف فيه فإذا تضيق الوقت ولم يبق منه إلا الجزء الذي يسع الواجب فقط ولم يفعله قبله تعلين ذلك بنفسه حينئذ وقتا للأداء بمعنى تفريغ الذمة فكان ما يسميه الشافعية وجوب أداء موسع هو الذي يسميه الحنيفة نفس الوجوب بمعنى شغل الذمة والذي سماه الحنفية وجوب أداء هو وجوب تفريغها مما شغلها بالفعل بمعنى أن ذمة المكلف لا تصير فارغة مما شغلها إلا في وقت الإتيان بالواجب امتثالا وهذا لا يخالف فيها أحد فلذلك صرح السعد في التلويح وغيره أن الخلاف بين أكثر الحنفية الذين فرقوا بين الوجوبين وبين أكثر الشافعية الذين لم يفرقوا خلاف في التعبير فقط وأن ما سماه أكثر الحنفية وجوبا بمعنى شغل الذمة وجعلوه مغايرا لوجوب الأداء هو ما سماه أكثر الشافعية وجوب أداء موسعا والكل متفقون في أن المكلف لو أخر الفعل عن أول الوقت لا يعصي متى فعل الواجب في أي جزء من أجزاء الوقت ولا يكون عاصيا إلا إذا أخرج فعل الواجب عن جميع أجزاء الوقت فكل من الحنفية والشافعية قائلون بمقتضى نصوص الكتاب والسنة في هذه المسألة ولو أن الذين نقلوا الخلاف بين هؤلاء الأئمة تحروا في النقل وتحققوا من تلك المذاهب لما وجدوا بين أصحابها خلافا يستحق القال والقيل وتشنيع كل على الآخر.