فهرس الكتاب
فقد وفق ابن عابدين بين ما قاله الشيخ محمد سرى الدين على وجه ما ذكر وبين ما قاله غيره ممن قدمنا النقل عنهم من عدم انقراض الاجتهاد كالعز بن عبد السلام بأن ما قاله العز بن عبد السلام وسائر الأئمة من عدم انقراض الاجتهاد محمول على جواز وجود المجتهد في ذاته وما قاله سرى الدين محمول على وجود مجتهد يحدث مذهبا غير مذاهب المتقدمين وأنه إذا أحدث مذهبا غير موافق لمذهب واحد منهم يجب القطع ببطلانه كما يشعر بذلك تعليل كل منهم ويصرح بما ذكرناه في أتباع المجتهدين الذين ألحقوا بهم قال ابن المنبر والمختار أنهم مجتهدون ملتزمون أنهم لا يحدثوا مذهبا أما كونهم مجتهدين فلان أوصاف الاجتهاد قائمة بهم وأما كونهم ملتزمين ألا يحدثوا مذهبا فلأن أحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب نعم لا يمتنع عليهم تقليد إمام قاعدة فإذا ظهر له صحة مذهب غير إمامه في واقعة لم يجز له أن يقلد إمامه لكن وقوع ذلك مستبعد لكمال نظر من قبله اهـ ومن هذا الذي قلنا نعلم جليا أنه لا خلاف بين العلماء المعول عليهم في عدم إقفال باب الاجتهاد وأن من قال بإقفال بابه وانقراض أربابه إنما أراد ذلك بالمعنى الذي قاله ابن المنير لا مطلقا وحينئذ يكون ذلك مبنيا على قاعدة أصولية قد اتفقوا عليهما وهي أن أحداث قول خارج عن جميع مذاهب المجتهدين من المتقدمين على صاحب هذا القول المحدث بحيث يكون ذلك القول المحدث خارقا لاجماع من قبله لا يقبل بل يقطع ببطلانه لأن خرق الإجماع لا يجوز بل يحرم لأنه حجة قاطعة يجب على كل مجتهد العمل بها ويحرم عليه مخالفتها ومن هذا أيضًا تعلم إن الاجتهاد لا يزال في كل عصر فرض كفاية بحيث لو خلا عصر عن وجود مجتهد يمكنه استنباط أحكام ما يتجدد من الحوادث في ذلك العصر من القواعد التي دونها المجهدون السالفون كان جميع أهل ذلك العصر آثمين فكان ما أدعاه