فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 414

وعند المحققين من الحنفية وإن قالوا إن الحسن والقبح بالمعنى المذكور عقليان لكنهم قائلون أنهما لا يستلزمان حكما في فعل العبد بل يجعلان الفعل صالحا لاستحقاق الأمر والنهي من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه أو ينهى عن نقبض ما أدرك العقل قبحه لأن ما أدرك العقل حسنه أو قبحه راجح ونقيضه مرجوح بمعنى أن صفة الحسن في الفعل ترجح جانب الأمر به على جانب الأمر بنقيضه القبيح وصفة القبح في الفعل ترجح جانب النهي عنه على جانب النهي عن نقيضه الحسن عملا في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة كمال الله تعالى فلا حكم عند هؤلاء المحققين من الحنفية إلا من خطاب الله اللفظي فلما لم يرسل الله رسولا وينزل عليه كتابا فليس هناك أمر ولا نهي ولا حكم ولو أدرك العقل مصلحة أو مفسدة في الفعل فهم يوافقون الأشاعرة في أنه لا حكم قبل البعثة لأحد من الرسل ويخالفونهم في وجود صفتي حسن وقبح تابعتين لما في الأفعال من مصلحة أو مفسدة لذاتها أو لصفة من صفاتها أو جهلة من جهاتها فتكون الأفعال بما فيها من المصلحة حسنة صالحة لأن يأمر بها الحكيم سبحانه وبما فيها من المفسدة قبيحة صالحة أن ينهي عنها الحكم جل شأنه ويوافقون المعتزلة في وجود تينك الصفتين المذكوريتين ويخالفونهم في التزامهما حكما للأفعال من وجوب وحرمة وأخواتها فلا يلزم عند هؤلاء المحققين من الماتريدية من كون الفعل مصلحة وحسنا أو مفسدة وقبيحا أن يكون لله فيه حكم قبل البعثة لأحد من الرسل فكان مذهب هؤلاء المحققين من الحنفية مذهبا وسطا بين مذهب الاعتزال ومذهب الأشاعرة فهو مذهب خرج من بين فرس ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين فهؤلاء المحققون يقولون لابد أن يكون الفعل المأمور به قبل أن يؤمر به صالحا لأن يؤمر به بأن يكون فيه مصلحة تقتضي حسنه وتجعله صالحا لأن يكون مناطا للثواب على الفعل والعقاب على الترك ولابد أن يكون الفعل المنهي عنه قبل أن ينهى عنه صالحا لأن ينهى عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت