فهرس الكتاب
وعند المحققين من الحنفية وإن قالوا إن الحسن والقبح بالمعنى المذكور عقليان لكنهم قائلون أنهما لا يستلزمان حكما في فعل العبد بل يجعلان الفعل صالحا لاستحقاق الأمر والنهي من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه أو ينهى عن نقبض ما أدرك العقل قبحه لأن ما أدرك العقل حسنه أو قبحه راجح ونقيضه مرجوح بمعنى أن صفة الحسن في الفعل ترجح جانب الأمر به على جانب الأمر بنقيضه القبيح وصفة القبح في الفعل ترجح جانب النهي عنه على جانب النهي عن نقيضه الحسن عملا في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة كمال الله تعالى فلا حكم عند هؤلاء المحققين من الحنفية إلا من خطاب الله اللفظي فلما لم يرسل الله رسولا وينزل عليه كتابا فليس هناك أمر ولا نهي ولا حكم ولو أدرك العقل مصلحة أو مفسدة في الفعل فهم يوافقون الأشاعرة في أنه لا حكم قبل البعثة لأحد من الرسل ويخالفونهم في وجود صفتي حسن وقبح تابعتين لما في الأفعال من مصلحة أو مفسدة لذاتها أو لصفة من صفاتها أو جهلة من جهاتها فتكون الأفعال بما فيها من المصلحة حسنة صالحة لأن يأمر بها الحكيم سبحانه وبما فيها من المفسدة قبيحة صالحة أن ينهي عنها الحكم جل شأنه ويوافقون المعتزلة في وجود تينك الصفتين المذكوريتين ويخالفونهم في التزامهما حكما للأفعال من وجوب وحرمة وأخواتها فلا يلزم عند هؤلاء المحققين من الماتريدية من كون الفعل مصلحة وحسنا أو مفسدة وقبيحا أن يكون لله فيه حكم قبل البعثة لأحد من الرسل فكان مذهب هؤلاء المحققين من الحنفية مذهبا وسطا بين مذهب الاعتزال ومذهب الأشاعرة فهو مذهب خرج من بين فرس ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين فهؤلاء المحققون يقولون لابد أن يكون الفعل المأمور به قبل أن يؤمر به صالحا لأن يؤمر به بأن يكون فيه مصلحة تقتضي حسنه وتجعله صالحا لأن يكون مناطا للثواب على الفعل والعقاب على الترك ولابد أن يكون الفعل المنهي عنه قبل أن ينهى عنه صالحا لأن ينهى عنه