فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 1407

من المهم -أيها الأخوة- أن ننظر في أحوالنا، ونصحح المسيرة، ونستدرك ما فاتنا، ونحاسب أنفسنا بحسب الإمكانات، ولا يمكن أن تكون محاسبة طالب في تخصص شرعي في مسألة طلب العلم كمحاسبة الموظف الذي له دوامان أو دوام طويل، لأن الإمكانات تختلف، فما يفوت هذا أعظم مما يفوت ذاك، وما ينبغي أن تكون عليه الدرجة في المحاسبة أشد في حق طالب العلم المتفرغ. ثم لابد من إزالة الحواجز النفسية التي تمنع الاستدراك، كأن يقول: أنا كبرت، وذاكرتي قد ضعفت فلا فائدة الآن من حفظ المتون وطلب العلم في حالتي. نقول: يا أخي! بعض الصحابة أنتجوا في أعمار متأخرة، وبعضهم ما عاشوا إلا أشهرًا قلائل وعلموا أشياء كثيرة جدًا، ثم استحضار قصص الذين طلبوا العلم متأخرين، بعضهم ما طلب العلم إلا بعد الأربعين وأصبحوا علماء، فابن أبي ذئب طلب العلم متأخرًا، وكان يقارن بمالك ، وقالوا: لو طلب العلم مبكرًا لما قورن به مالك ولا كان قريبًا منه، رضي الله عنهم جميعًا ورحمهم. وإذا نظرنا في حال بعض العلماء كيف استدركوا الأمور وكيف تقدموا، لوجدنا أمرًا عظيمًا! ابن حزم رحمه الله طلب العلم بعدما بلغ السادسة والعشرين و ابن حجر رحمه الله مرت عليه سنوات لم يكن يطلب فيها الحديث، حتى كان ينشد شعرًا فسمعه شخص فقال: ليس هذا من شأنك، هذا لا يليق بك، فانصرف إلى الحديث. الذهبي رحمه الله قال: رأى خطي رجل، فقال: إن خطك يشبه خط المحدثين، فوقع في نفسي طلب الحديث. ابن القيم رحمه الله مضى فترة من عمره مع الصوفية ، ثم رجع وصار العلم العظيم، يقول:

يا قوم والله العظيم نصيحة ... ... من مشفق وأخ لكم معوان

جربت هذا كله ووقعت في ... ... تلك الشباك وكنت ذا طيران

حتى أتاح لي الإله بفضله ... ... من ليس تجزيه يدي ولساني

حبر أتى من أرض حران ... ... فيا أهلًا بمن قد جاء من حران

فالله يجزيه الذي هو أهله ... ... للجنة المأوى مع الرضوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت