وختامًا أيها الإخوة: فإن الإمام أحمد رحمه الله في سنة (241هـ) أصابته الحمى، وصار يتنفس تنفسًا شديدًا، وكان ولده يمرضه فقال يومًا لولده: خذ بيدي، فأخذ بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعف وتوكأ عليَّ، وكان يختلف إليه غير متطبب، ووصفت له وصفات، ثم بعد ذلك صار الناس يأتون إليه فيدخلون عليه أفواجًا حتى يملئوا الدار، فيدعون له ويخرجون، ويدخل أفواجٌ آخرون، وجاء رجل لنا قد خبض -يعني بالحناء- فقال الإمام أحمد وهو يحتضر: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به. واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال: خلل الأصابع. انظر ما نسي السنة وهو على فراشه، قال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدر النهار، والذي يموت يوم الجمعة من أهل الصلاح ماذا له؟ يؤمن من عذاب القبر كما ورد في الحديث الصحيح، فلما مات صاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع، وصلى عليه الناس، وحزر الذين صلوا على الإمام أحمد ما بين سبعمائة ألف وألف ألف وستمائة ألف، اختلفت الإحصائيات، وهذا غير الناس الذين صلوا على ظهور السفن على شاطئ بغداد ، وحتى بلغ الزحام أن الناس قد فتحوا بيوتهم للذين يريدون أن يتوضئوا لصلاة الجنازة، وتعطلت الأسواق ببغداد ، وأغلقت الدكاكين، واجتمع الناس من كل حدب وصوب، فصلوا عليه، اجتمعوا في فلاة فصلوا عليه فتقدم فجأة واحد من أعوان السلطان أمير البلد ليصلي حتى يظهر أمام الناس، والناس ما دروا من الذي كبر، فلما درى الناس بعد ذلك ذهبوا إلى المقبرة فأعادوا الصلاة أفواجًا، انظر ثقة الناس بالإمام أحمد ونصرتهم لماذا؟ لأن الإمام أحمد هو الذي علمهم بنفسه كيف ينفروا من الظلمة. وقال أحمد قبل أن يموت رحمه الله: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. وفعلًا صار يوم موت الإمام أحمد آية من آيات الله البينات. يقول عبد الوهاب الوراق: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية ولا الإسلام