فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 1407

والبر واجب ولو كان الأب مشركًا كافرًا، وكذلك الأم لو كانت مشركة كافرة، وقد ضرب لنا ربنا في القرآن أمثلة: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:41-42] انظر إلى التأدب معه في الكلام، فقد أتى له بهذه اللفظة الرقيقة: (يا أبتِ) استعطافًا له، وقال: إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم:43] لم يقل: إني أعلم منك وأنت جاهل، ثم بيَّن له الحجة والدليل: لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:42] فهو يقول: أنا وإن كنت أصغر منك، وأنا من صلبك، لكن الله أطلعني على علم لم تطلع عليه أنت ولم تعلمه، ولم يقل له: يا جاهل! وأبدى الشفقة على أبيه والخوف عليه، قال: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ [مريم:45] ولم يقل من الجبار، لاحظوا! إبراهيم عليه السلام ما قال: إني أخاف أن يمسك عذابٌ من القوي العزيز الجبار، وإنما قال: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ [مريم:45] ، يعني: حتى الأسماء الحسنى ينتقي منها ما يناسب الحال، وهذا أبوه العنيد يقول: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم:46] وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكَ [مريم:47] ، يعني: قابله بغاية الأدب مع أن ذاك قابله بغاية الصلافة والجبروت والعناد، سَلامٌ عَلَيْكَ [مريم:47] يعني: لا ينالك مني مكروه ولا أذى لحرمة الأبوة، وسأسل الله أن يهديك. وماذا قال الله: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [لقمان:15] ومع ذلك قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] . سعد بن أبي وقاص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت