إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فإن من أسماء الله سبحانه وتعالى الرحمن والرحيم، فهو أرحم الراحمين، والرحمن صفته، والرحيم يدل على أنه يرحم خلقه، والله سبحانه وتعالى رحمته وسعت كل شيء، وبلغ من رحمته عز وجل أنه خلق مائة رحمة بخلاف صفة الرحمة التي اتصف بها خلق مائة رحمة، فبث بين خلقه رحمةً واحدة فهم يتراحمون بها، وادخر عنده لأوليائه تسعة وتسعين، وفي حديثٍ صحيح آخر: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على ولدها) ، وفي رواية: (حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. ووصف النبي عليه الصلاة والسلام كل رحمة من هذه المائة بقوله: (إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، وأخر تسعًا وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة وجعلها لأوليائه يوم القيامة يرحمهم بها) . قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار) ورحمته سبحانه وتعالى أشد من رحمة الوالدة بولدها. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبيٍ، فإذا امرأة من السعي تسعى، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله،