فهرس الكتاب
وكذلك تستخدم لتضخيم الشيء: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] ، وتستخدم لما سيقصه عليه من نبأ الغيب: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات:15] .. وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ص:21] .. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24] ولما وصفهم بأنهم مكرمون؛ عرفنا أن إبراهيم قد أكرمهم، فإذًا إبراهيم يُكرم الضيوف وهذه من مناقبه، ولو كان المقصود بالمكرمين أن الله كرمهم، فكون إبراهيم يُكرم من كرمه الله، يعتبر من مناقبه أنه كرَّم المكرمين. فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ [الذاريات:25] سلامًا جملة فعلية، وسلامٌ جملة اسمية، والشيء الفعلي يقتضي التجدد والحدوث، والشيء الاسمي يقتضي الثبات والاستقرار، فإذًا: سلامٌ أبلغ؛ لأنها تقتضي الثبات والاستقرار، فكانت تحيته لهم من باب قوله تعالى: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] . قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] ولم يقل: من أنتم؟ أنتم قوم منكرون، ولم يقل: أنا أنكركم، فدل ذلك على لطافة أسلوبه مع ضيفه، فإنه أخبرهم أنه ما رآهم من قبل، لكن لم يخبرهم بأسلوب فيه فجوة بينه وبينهم، ثم إنه راغ إلى أهله: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ [الذاريات:26] باختفاء وسرعة، وهذا هو الروغان، حتى لا يخجّلهم، لا كما يفعله بعض الناس مع ضيوفهم، فإنه يبرز بمرأى منه، و يخرج النقود، ويستدعي الولد، ويقول: خذ اشترِ لنا كذا من السوق، وهاتِ لنا كذا، أمام الضيوف، فإنه استقبال بارد، ويتضمن تخجيلًا للضيوف، وتسببًا في سواد وجوههم، لكن إبراهيم بدون أن يستشيرهم، راغ إلى أهله فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] ، فتضمن ذلك أنه خدم ضيوفه بنفسه، ولم يُرسل عبدًا ولا ولدًا. ثانيًا: أنه جاءهم بحيوان تام، لينتقوا منه ما يشاءون، بعجل كامل، ثم إنه سمين وليس بهزيل، فهو يضيف الناس من نفائس ماله، فقربه إليهم، ولم يقل: تعالوا واقتربوا،