الصفحة 22 من 27

قال ابن القيم - رحمه الله:"والشكوى إلى الله - عز وجل - لا تنافي الصبر، فإن يعقوب - عليه السلام - وعد بالصبر الجميل - والنبي إذا وعد لا يخلف - ثم قال: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ } (يوسف: 86 ) "

وكذلك أيوب - عليه السلام - أخبر الله عنه أنه وجده صابرًا، مع قوله: { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}

... ... ... ... ... ... ... ... (الأنبياء: 83 )

و إنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله، كما رأي بعضهم رجلًا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك !! ثم أنشد:

وإذا عرتك بلية فاصبر لها ... صبر الكريم، فإنه بك أرحم

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

(مدارج السائلين:2/161)

وقد التزم سلفنا الصالح - رحمهم الله تعالى - هذا الأدب، فكانوا يكتمون ما أصابهم، ولا يشكون مولاهم إلى خلقه. فهذا داود الطائى - رحمه الله - يدخل عليه رجل وهو على فراشه، فرآه يزحف، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال داود: مه (1) ، لا تُعلم بهذا أحدًا. وقد أُقعِد (2) قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد (3) .

(1) مه: أي: كفّ عن الحديث وهي كلمة زجر وفهي (تهذيب اللغة:5/384) .

(2) أُقعِد: أي: صار مقعدًا لا حراك به بسبب المرض (تهذيب اللغة:1/204) .

(3) (تسلية أهل المصائب صـ216) ، وفي سير أعلام النبلاء (4/92) : أن عينه ذهبت منذ أربعين سنة ما شكاها إلى أحد .

وقال الأحنف بن قيس: أصبحت يومًا اشتكى ضرسى، فقلت لعمّى: ما نمت البارحة من وجع الضرس، حتى قلتها ثلاثًا. فقال: لقد أكثرت من ضرسك في ليلة واحدة، وقد ذهبت عينى هذه منذ ثلاثين سنة ما علم بها أحد . (الأحياء:4/133)

ـ ولما نزل في إحدى عينى عطاء - رحمه الله - الماء، مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله، حتى جاء ابنه يومًا من قبل عينه التي أصيب فيها، فلم يشعر به، فعلم أن أباه قد أصيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت