فهرس الكتاب
في جملة ما تثبته التوراة، أن أحبار اليهود الذين كتبوا أسفارها، إنما هم قصاصون من الدرجة الثالثة، ولا يقاسون بشيء إلى جانب المعاصرين من القصاصين اليهود المعروفين فيما كتبوا من روايات وصنفوا من سيِّر وتراجم، وكان الكثير منها أدبا رائعا جديرا بالقراءة والمتعة.
ولكن ما كتبه أحبار اليهود في أسفار التوراة عن خروجهم بني إسرائيل من مصر ودخولهم إلى فلسطين , يكشف عن ضعف في التأليف واضطراب في التفكير، وغفلة في التلفيق تفضح أصحابها، وتكشف جوانب الكذب والتزوير في اقصاصيهم من البداية إلى النهاية.
وكثير من القصص، أي قصص، خيال ليس له ظل من الواقع، سواء في الأحداث والأشخاص والأبطال، وكذلك في الخاتمة التي تنتهي بها القصة.. ولكن تلك القصص تظل متسلسلة بذاتها، آخذ بعضها برقاب بعض، وبدايتها تقود إلى نهايتها.
أما قصص التوراة، وخاصة بالنسبة إلى موسى وخروجه على رأس بني إسرائيل إلى سيناء بهدف الاستيلاء على فلسطين، فإنها تثير كثيرا من التساؤلات التي لا جواب لها، والشكوك التي يستحيل تفسيرها، ناهيك عن التناقضات الكثيرة التي تتضارب فيما بينها، بحيث يستحيل على العقل أن يقبل بأن تلك القصص هي من وحي السماء، ذلك بأنها هي من خيال أولئك القصاصين القدامى من رعاة المواشي. يخرفون، ويهرفون بما لا يعرفون.
ولو شئنا دليلا واحدًا يثبت هذا الحكم لوجدنا أن ما أرادته التوراة من أمر موسى وخروجه من مصر إلى البرية، وما وقع لبني إسرائيل فيها لكفى ذلك كله أن يكون دليلا قاطعا بأن التوراة لا يمكن أن تكون من كلام الله، كما لا يكمن أن تكون أعمال موسى وأقواله، من أعمال نبي الله وأقواله.
وثمة دليل آخر يؤيد ما ذهبنا إليه.. ذلك هو كثرة الفجوات والسقطات التي لم ينتبه إليها الذين كتبوا التوراة، فجاء قصصهم منقوصا فيه فراغ هنا وهناك.. ولننتقل من التعميم إلى التخصيص.