فهرس الكتاب
في مجال التخصيص، يجد القارئ الصابر للقراءة، بعد أن يفرغ من قراءة الأسفار الخمسة الأولى من التوراة، أن موسى له أخ أسمه"هارون اللاوي"، وأن له أخت اسمها مريم النبية.
ونلاحظ هنا أن التوراة لم تذكر لنا شيئا عن مولد هارون ولا عن مولد أخته مريم.. وقد اقتصرت على ذكر مولد موسى وقصته، دون أن تُذكر له أخا أو أختا، مع أن سياق القصة يقتضي أن تذكر الأسرة وأولادها وسائر ما يتصل بها.
وعلى حين أن التوراة لم تبخل في سردها لقصة إبراهيم، أن تذكر الكثير من تفاصيل حياته وحياة زوجته سارة، وضرتها هاجر، ومولد ولديه إسماعيل واسحق، وما كان من أمور العائلة مع فرعون، وأبيمالك ملك الفلسطينيين، وشؤون الزوجات والسراري والزواج من العراقيات وأولادهما.. كما فصلنا في الفصول السابقة.
ولم تبخل التوراة كذلك أن تذكر بالتفصيل حياة إسحق ويعقوب وأولادهما، وما رافق زواجهما من قصص وطرائف لا نجد مثيلا لها إلا في أساطير اليونان، لولا أنها تقل عنها في جمال الأداء وسلاسة التعبير.
أما بالنسبة إلى سيرة موسى وأهل بيته، فقد اقتصرت التوراة على حكاية وضعه في الصندوق وإلقائه في النهر، ثم ما كان من أمر التقاطه من قبل إبنة فرعون واتخاذها له ولدا..
غير أن هارون، وهو طفل ذكر، فإن التوراة لم تذكر لنا كيف لم يذبحه الفرعون، وكيف نجا من مذبحة الأطفال، وأين تربى وأين عاش.. فكلها مجهولات لا تعرف من أمرها شيئا..
وكل ما نعرفه عن هارون أن التوراة، تقذف به على مسرح الأحداث من غير مقدمة ولا تمهيد كأنما هو يسقط فجأة من السماء إلى الأرض، فتلتقطه التوراة، وتحشره في سفر الخروج في سياق الحوار غير الطريف بين"الرب وموسى"حين عاد من برية سيناء وظهر له الرب ودعاه إلى أن يذهب إلى فرعون ويطلب إليه أن يطلق بني إسرائيل من مصر-بيت العبودية، إلى البرية ليعبدوا له..