فهرس الكتاب
وهذا الذي اقتبسناه من أحكام التوراة ينم عن فكر بدائي موغل في البدائية ولا يمكن أن يرقى إلى الله، ولا يمكن أن ينسبه إليه إلا رعاة البوادي الجاهلون لحقائق الحياة.
بل إن هذه النصوص المتعلقة بالجثث والثيران لا تصدر إلا عن مستوى دون مستوى البادية.. فإن الرعاة القدامى الذين وصلت إلينا أخبارهم يعرفون كيف يتعاملون مع الثور النطَّاح دون أن يرجموه.. وأن الجثة مكانها تحت التراب لا تعطي للغريب.. لا يبيعها لأحد، ولا يأكلها أحد.
وكائنا ما كان الأمر، فإنه تحت هذا الركام من الخرافات والترهات اليهودية تكمن حقيقة كبرى، قل أن يلتفت إليها القارئ وهو يعبر في التوراة من خرافة إلى خرافة.
هذه الحقيقة الكبرى هي التي تفسر لنا كثيرا من مغلقات رحلة الخروج التي"قام بها بنو إسرائيل من مصر عبر سيناء ومنها إلى فلسطين".
وقد ركزت التوراة منذ البداية أن خروج بني إسرائيل كان"لتحريرهم من بيت العبودية"في مصر ليعبدوا الرب في البرية.
ولكن السبب الحقيقي هو غير ذلك بالمرة.. فلم يكن التحرير هو الهدف، ولا عبادة الرب هي السبب..
السبب هو الحرب من أجل الحرب.. والهدف هو العدوان من أجل العدوان.. وقد يبدو هذا الكلام غريبا لأول وهلة، ولكن التوراة نفسها تقودنا إلى هذه الحقائق بكل يسر ووضوح، وها نحن نجد مقدمات الدليل في الإصحاح الثاني من سفر الخروج حيث تروي التوراة"أن الله سمع صراخ بني إسرائيل وأنينهم من استعباد الفرعون لهم".. ثم تقول بعد ذلك أن"الله تذكر ميثاقه مع إبراهيم وإسحق ويعقوب"-وهو الميثاق الذي يمنح فلسطين إلى بني إسرائيل-كما ورد في سفر التكوين.
وسنترك أمر هذا الميثاق إلى فصل لاحق لنثبت بطلانه.. ويكفينا الآن أن نشير أن التوراة قد أرادت أن تنقل الميثاق من الوعد اللفظي إلى مرحلة التنفيذ.