فهرس الكتاب
وكان أن ساد الاضطراب صفوف بني إسرائيل، وقع موسى في حيرة كبرى، وأصبحت مسيرة الحرب مهددة بالفعل فقد أعلن اليهود تمردهم وعصيانهم، وكان لا بد له أن يتدخل الرب فهو الذي يحارب عن إسرائيل ولا بد أن يتدخل لإنقاذ الموقف، فلم يكن أمام الرب من بديل إلا أن يترك مهمة الدخول إلى فلسطين إلى جيل آخر.. وتقول لنا التوراة أن الرب قضى بأن هذا الجيل الشرير، المتمرد العاصي، جيل العشرين عاما فصاعدا لا يرون الأرض، وأنهم يتيهون في البرية أربعين عاما وفيها يموتون وفيها يفنون، ويموت معهم جماعة الحمائم العشرة-الجواسيس الذين عارضوا في الحرب- وهكذا فقد حل الوباء بذلك الجيل الشرير ودفنوا في البرية ونشأ جيل جديدا.
أما كالب ويشوع وهما من جماعة الصقور فقد قضى الرب أَنهما يعيشان ويدخلان الأرض كما تروي التوراة.
وكان تمرد بني إسرائيل طبيعيا وفطريا، ذلك أنهم حين استمعوا إلى تقرير الجواسيس الذين يمثلون جميع أسباطهم، وحينما تبين لهم أن الأرض مسكونة بأهلها، وأن فيها مدنا حصينة، وأن سكانها أهل حرب ويعتزون ببلادهم، إلى آخر ما جاء في التقرير، كان من الطبيعي في ضوء ذلك كله أن يترددوا في الإقدام على الحرب، فأحجموا عن الدخول إلى أرض لا يعرفونها ولا يملكون فيها شبرا واحدا.
غير أن أحبار اليهود الذين كتبوا التوراة، قد أرادوا غير ذلك، فراحوا يقصون مسيرة الحرب بروح سافرة من العدوان والإرهاب والنزوع إلى الإبادة.. كما نرى في معظم أسفار التوراة.
ومضت التوراة تتحدث عن نشوء جيل جديد من بني إسرائيل، مهيأ للحرب والعدوان، بعد أن فني الجيل السابق المترد في القتال، المتخوف، من العواقب وأمامه شعوب مستعدة للقتال والدفاع عن أرضها ومدنها وقراها..