الصفحة 133 من 257

والقراءة السريعة لأسفار التوراة ربما توحي بأن بني إسرائيل قد انتصروا على أهل البلاد وطردوهم من أرضهم، وأن القسمة التي ذكرت تفاصيلها في الإصحاحات السالفة الذكر تعني أنه قد قُضي على أهل البلاد وأن الأرض قد دانت لبني إسرائيل وأصبحوا هم سادتها من غير معارض ولا منازع..

هذه الصورة التي تصفها التوراة غير صحيحة إطلاقا.. فرواية التوراة فيها كثير من الكذب والتزوير، والتوراة نفسها هي التي تكشف عن هذا الكذب والتزوير.. فإن أصحاب الكذب يقعون عادة في حبائل كذبهم دون أن يدروا.. وهذه هي شواهد التوراة.

أولا: يذكر الإصحاح الثالث عشر من سفر يشوع في صفحة كاملة"جميع الأراضي الكثيرة جدا الباقية للامتلاك".. يذكرها بمواقعها وحدودها وأسماء الممالك التي تتبعها، وقد وعد"الرب"بشأن هذه الأراضي الباقية"أن يطرد أصحابها منها من أمام بني إسرائيل"، كما أمر يشوع قائلا"إنما أقسمها بالقرعة لإسرائيل ملكا كما أمرتك".. وبهذا أصبح الأمر قاصرا على وعد بالطرد"وأمر"بقسمتها بالقرعة.. ولذلك فإن هذا الإصحاح يعترف في منتصفه بأن بني إسرائيل"لم يطردوا الجشوريين والمعكيين"لأنهم سكنوا"في إسرائيل إلى هذا اليوم"ومعنى ذلك أن إقامتهم امتدت قرابة ألف عام، إلى وقت كتابة التوراة، وهذا تم بعد ألف عام من هذه الأحداث التي نحن بصددها.

... ثانيا: يذكر الإصحاح نفسه، في جملة ما يذكر من حدود الأراضي، أسماء خمسة أمراء من بني مديان ويصفهم بأنهم"ساكني الأرض"وبذلك تعترف التوراة أن الأرض يسكنها أمراؤها.

... ثالثا: وفي صدد بيان الحدود، يذكر الإصحاح الخامس"وصعد التخم في وادي ابن هنوم إلى جانب اليبوسي من الجنوب هي أورشليم". ومعروف تاريخيا أن يبوس هو اسم آخر لأورشليم، ومعنى هذا التحديد أن أورشليم بقيت خارج حدود القسمة والقرعة.. وأنها بقيت بيد أهلها اليبوسيين العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت