فهرس الكتاب
... ولم تكد تنتهي غارة فرعون مصر على المملكة الإسرائيلية حتى تعرضت لسيطرة الآشوريين في العراق وهكذا وقع اليهود بين فكي الكماشة، مصر من جانب، والعراق من جانب آخر مما حمل المؤرخ البريطاني الشهير على القول.."كانت حياة العبرانيين في فلسطين تشبه حالة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار.. ومن الأول إلى الآخر لم تكن مملكتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسورية وأشور وفينيقيا، ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من تاريخهم".. وذلك هو قول"هـ. ج. ويلز"تصدرنا به هذا الفصل، وعلى غرار هذا القول الرصين، فقد أضاف"غوستاف لوبون"، العلامة الأوروبي الكبير قوله"لم تكن فلسطين غير بيئة مختلفة لليهود".
... وكانت خاتمة المطاف في هذه الأحداث، بل كانت خاتمة المطاف في حياة اليهود في فلسطين في ظل المملكتين، أن اجتاح الملك العراقي"بختنصر"فلسطين بأكملها واستولى على القدس في عام 589 ق.م. فأحرق الهيكل وبيت الملك ودمر المدينة حتى أصبحت أكواما من الأنقاض، وسبى من أهلها زهاء خمسين ألفا حملوا إلى بابل، وزال الوجود اليهودي من فلسطين فلم يبق منه عين ولا أثر..
... ويبدو واضحا من هذا السرد التاريخي الموجز أن العبرانيين لم يكن لهم وجود عسكري إطلاقا في البلاد، فلم يشتركوا في أية حرب مع مصر حتى يقال أنها كانت حليفة حقيقية لمصر كما يتبجح رئيس وزراء العدو في خطابه، فإن الأحلاف لا تكون إلا في حالة الحرب ومع شعب يمكن أن يوصف بأنه محارب حتى يستطيع أن يؤدي لحليفه مساهمة في ميدان القتال، وإلا كان الحلف كلاما في الهواء أو ضربا من الخيال.
... والتاريخ القديم للشرق الأوسط لم يتحدث إلا عن حروب المصريين والحثيين والبابليين والآشوريين والفرس في تلك الحقبة من الزمان، ولم يشر بكلمة واحدة إلى مشاركة اليهود في هذه الحروب كحلفاء.. بل ورد ذكرهم كعملاء.. وجواسيس لا أكثر ولا أقل.