فهرس الكتاب
والواقع أن غربة اليهود بالنسبة إلى فلسطين قديمة قدم التاريخ، فإن تاريخهم هو تاريخ غربة في فلسطين، وقد وردت إشارات متعددة عن ذلك في كتابهم المقدس"التوراة".
ويكفينا أننا نقرأ في الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين أن"الرب ظهر لإبرام"- (إبراهيم) وفي حديث معه وصف"كل أرض كنعان"-فلسطين بقوله"أرض غربتك وهو في الواقع غريب عن فلسطين هاجر إليها من أور الكلدانيين- موطن آبائه وأجداده."
فإذا كان بيجن رئيس وزراء العدو يعود بنسبة إلى إبراهيم فإن إبراهيم نفسه غريب عن فلسطين بأكملها , كما قال له"الرب"رب إسرائيل ورب بيجن , ما دام موصوفًا بتمسكة باليهودية .
وتأتي التوراة بعد ذلك لتكشف أمر الغربة بوضوح أقطع وأسطع، ففي الإصحاح الثاني والعشرين في سفر التكوين تحدثنا التوراة أن سارة (زوجة إبراهيم) ماتت ..."فأتى إبراهيم ليندب سارة ويبكي عليها وقام إبراهيم من أمام ميته وكلم بني حث قائلًا أنا غريب ونزيل أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي من أمامي"، وتقص التوراة بعد ذلك كيف أعطاه أهل البلدة مغادرة ليدفن فيها زوجته.. ودفنها.
وهل نحن في حاجة إلى دليل أوضح من نص التوراة ذاتها، ومن فم إبراهيم نفسه يستنفر مروءة الأهلين بأنه"غريب ونزيل عندهم"ويطلب منهم مدفنا لزوجته وهي مسجاة على فراش الموت أمامهم.
وهذه الغربة بالنسبة لإبراهيم وردت بعد ذلك في مواضع متعددة من التوراة ومن الإنجيل كذلك.
بل أن"إبرام"قد أضيف إليه في التوراة تعريف محدد"إبرام العبراني".. واختلف علماء التوراة في تفسير هذا اللفظ فقيل أنه نسبة إلى"عابر"أحد أجداد إبرام ... وقيل إنه نسبة إلى عبوره نهر الفرات في ارتحاله من العراق إلى البلاد العربية الأخرى.
وكل ذلك توكيد أنه غريب عن فلسطين بأسرها، ذلك أنه منذ القدم، كان لا بد أن يلحق باسم المهاجرين والوافدين صفات تدل على أنهم غرباء وأنهم ليسوا من أهل البلاد الأصليين.