الصفحة 86 من 257

وهذا الاستشهاد بموسى إنما يصيب مقتلا في القضية الصهيونية، بل وفي العقيدة اليهودية نفسها.ذلك أن سيرة موسى في التوراة تثير أشنع الذكريات في حياة إسرائيل وتاريخها وفي سلوك الشعب اليهودي برمته.. وإذا كانت هناك من سيرة تدين اليهود إدانة كاملة، فإن سيرة موسى كما جاءت في التوراة كافية لأن تلطخ الشعب اليهودي بالعار إلى الأبد.. وتؤكد اللعنات التي رددتها التوراة عليهم مرة بعد مرة في جميع أسفارهم..

ولسنا نريد في هذا الفصل أن نترجم لموسى، وحياته، ودعوته، وما احتمل من عناء وبلاء مع بني إسرائيل، فذلك لا يتسع له المجال، ولكننا سنقتصر على تلك الجوانب، ذات الصلة بما في ذلك اليهود واليهودية، وما وضعه اليهود لأنفسهم، من قواعد وتقاليد للسلوك الاجتماعي.. وسنظل على الدوام نتابع الدرس من التوراة نفسها، ما دامت هي التي صنعها اليهود أنفسهم، وما دامت هي التي صنعت اليهود.

وأول ما تذكره التوراة عن سيرة موسى، يفاجأ القارئ بالنزعة العنصرية العنيفة المتأصلة في النفس اليهودية.. ويتمثل ذلك في مولد موسى منذ البداية ونقرأ في الإصحاح التاني من سفر الخروج حكاية ميلاده فنقول التوارة"وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بيت لاوي فخيلت المرأة وولدت ابنا، ولما رأته أنه حسن خبأته ثلاثة أشهر"وبعد ذلك"وضعته في سفط من البردى ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر.."

"بيت لاوي"يقصد منه أنه إسرائيلي لأن لاوي هو أحد أبناء يعقوب.. وبهذا أراد أحبار اليهود الذين كتبوا التوراة من البداية أن يؤكدوا أن موسى هو إسرائيلي من أب لاوي، ومن أم لاوية.. دون أن يذكر اسم الأب ولا اسم الأم مع العلم أن التوارة لم تكن تتورع أن تذكر اسم أولاد الزنا من اليهود في أكثر من موضع، ولم تذكر لنا اسم والد موسى وأمه.. مكتفية بأنهما من بيت ولاوي.. وانتهى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت