الصفحة 96 من 257

ومع هذا فقد استمر أحبار اليهود يكتبون في توراتهم أن بني إسرائيل هم شعبه المقدس وأنه فوق جميع شعوب الأرض.. وأن خروجهم من مصر كان ليعبدوا الله في البرية.. فإذا بهم يعبدون الأوثان ويجعلون الصحراء بيت دعارة مكشوفة.

وراحت التوراة تتحدث عن رحلة الخروج من مكان إلى مكان، ومن جبل إلى جبل وبنو إسرائيل يشكون ويتذمرون، والرب يندد على الدوام، ويقول لموسى في كل مرة:"قل لبني إسرائيل أنتم شعب صلب الرقبة".. وبهذه الألفاظ على وجه التحديد..

كان موسى يستغفر لقومه كلما اقترفوا سيئة من السيئات، وتضرع إليه أن يسير معهم وقال له متوسلا:"أليس بمسيرك معنا. فنمتاز أنا وشعبك على جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" (سفر الخروج- إصحاح 33) وكان ذلك أوضح اعتراف بنزعة التمييز العنصري البغيض الذي يدين به بنو إسرائيل.. والغريب أن أحبار اليهود قد استعملوا لفظة"التمييز"بالنص وتعبير التمييز العنصري لم يكن وأوردًا يومئذ، فقد عرفته اللغة السياسية في هذا العصر، ليبدأ بعد قرون من الأحداث التي دونتها التوراة..

وأكثر ما تتجلى هذه المعاني في الترنيمة التي دونتها التوراة بنصها الكامل بعد أن انتهت معركة العبور ونجا بنو إسرائيل وغرق فرعون وجنده ... فقد أنشدوا قائلين عن المصريين.."غاصوا كالرصاص في مياه غامرة.. هبطوا في الأعماق كحجر، فغطاهم البحر. تمد بيمينك فتبلعهم الأرض ترشد برأفتك الشعب الذي فديته .. يسمع الشعوب فيرتعدون..تأخذ الرعدة سكان فلسطين. حينئذ يندهش أمراء أدوم، أقوياء مؤآب تأخذهم الرجفة ، يذوب جميع سكان كنعان.. حتى يعبر شعبك يا رب" (الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج) .

وهذا التهديد والوعيد موجه إلى شعوب الشام: سكان كنعان، وأدوم، موآب، وكأنما أراد أحبار اليهود أن يشنوا حرب الأعصاب على ديار الشام قبل أن يصل بنو إسرائيل إلى فلسطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت