فهرس الكتاب
لا توضع في حسابات القوى الكبرى آنذاك فيأتي القرآن ليغيرها ويعيد صياغة شخصيتها وكيانها من جديد ويرفع هامات أبنائها إلى السماء ويربط قلوبهم بالله ليكون وحده هو الغاية والمقصد؟! حدث كل هذا في وقتٍ قصير.. سنوات معدودات كانت كفيلةً بإحداث هذا التغيير الجذري... لقد كان القرآن هو محور حياتهم ومادة حياة قلوبهم.. يحرصون على تحصيلها أكثر من حرصهم على تحصيل الطعام والشراب والراحة ولم لا وهم يدركون بأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب..
لقد كان القرآن الكريم في حياة السلف الصالح روحهم وريحانهم ونزهتهم وبستانهم يجدون فيه رغبتهم ورهبتهم ..يفرحون بوعوده ويرتعدون لوعيده ..ترتع قلوبهم في روضات الجنات من آياته..وتهتز نفوسهم وتقشعر قلوبهم من نفحات جهنم في زواجره وعقوباته.. تنهل الدموع وتهتز الضلوع لعظيم وعظه واحكام معناه ولفظه فإذا انصرفوا عن تلاوة القرآن اعتبروا نفوسهم بالمحاسبة لها ..فإن تبينوا منه قبول ما ندبهم إليه مولاهم الكريم مما هو واجب عليهم من أداء فرائضه واجتناب محارمه فحمدوه في ذلك وشكروا الله على ما وفقهم له وإن علموا أن النفوس معرضة عما ندبهم إليه مولاهم الكريم قليلة الاكتراث به استغفروا الله من تقصيرهم وسألوه النقلة من هذا الحال الذي لا يحسن بأهل القرآن ولا يرضاها لهم مولاهم إلى حالة يرضاها فإنه لا يقطع من لجأ إليه ومن كانت هذه حاله وجد منفعة تلاوة القرآن في جميع أموره وعاد عليه من بركة القرآن كل ما يحب في الدنيا والآخرة إن شاء الله .
لقد كان حب النبي عليه الصلاة والسلام للقرآن واهتمامه به لا يُوصف .. فقد سيطر القرآن على عقله واستحوذ على مشاعره وبلغت قوة تأثيره عليه أن شيَّب شعره.. فقد دخل عليه يوما أبو بكر رضي الله عنه فقال له: شبت يا رسول الله قبل المشيب... فقال له مبينًا السبب: ( شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب) ( صحيح أخرجه ابن مردويه وصححه الألباني في صحيح الجامع) .